خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين كافة بقوله: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”؛ فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته. ويُفهَم من هذا الحديث الشريف أن المسلم مسؤول مسؤولية عينية عن مصلحة المسلمين في دوائر قد تتسع وقد تضيق بحسب المواقع التي يكون فيها.
وتقتضي مسؤولية الرعاية ألّا ينفرد المسلم بمبادرات في الرأي يصعب بها الرعاية صياغة عملية تحقق مصالح الرعاية في الواقع بحسب ما تقتضيه الظروف المقبلة للزمان والمكان، فيصبح إذًا إبداء الرأي من المسلم مسؤولية واجبة يحكم لزومها للرعاية الواجبة.
وبالنظر إلى أن حفظ وحدة الأمة واجب ديني، وهو مسؤولية كل مسلم ضمن مسؤولياته في الرعاية، فإن معادلة قد تبدو صعبة نشأ بين الطرفين: واجب إبداء الرأي الذي قد يُفضي إلى الفرقة من جهة، وواجب الحفاظ على وحدة الأمة من جهة أخرى. ومما يزيد من صعوبة هذه المعادلة أن كل رأي يبديه المسلم يعتبر رأيًا دينيًا بمقتضى شمول الدين الإسلامي لجميع مناحي الحياة، فإن الاختلاف الذي قد يُفضي إليه إبداء الرأي كواجب عام سيكون اختلافًا ذا صبغة دينية بالإضافة إلى كونه قد يكون عامل فرقة في الأمة.
وقد نشأ في تاريخ الأمة الإسلامية منزع إلى حل هذه المعادلة على حساب طرفها الأول، فُضُيِّق من حرية إبداء الرأي تضييقًا شديدًا إلى ما يقارب الإلغاء في سبيل أن تسلم وحدة الأمة، وتسلم وحدة الدين. وقد شمل هذا التضييق كلا من مساحات المبدأ للرأي في المسائل والقضايا التي يكون فيها إبداء الرأي، حتى انتهى إلى قيود شُدت ورتِّبت بحسب الظروف، إلى أن تراوحت بين شبه المنع لحرية الرأي وبين حصره في مجال ضيق من الناس ومن المواضيع والقضايا.
وبما يبرز ما جاء في القرآن الكريم من إتاحة حرية الرأي كبدء ثابت من مبادئ الدين، يبدو أن التخوف على وحدة الأمة من الإفراط في حرية الرأي هو تخوف منظور مرمى ما ينبغي أن يؤخذ من حبيسة مشروعة تتمثل في شروط ضابطة لأن حرية الرأي ثمارها المتفرعة من تشريعه، فإذا بها تنقلب إلى تعطيل عامِل من عوامل الرعاية الرشيدة؛ إن لم تُحكم بضوابطها. إن إبراز الرأي لازم من لوازمها.
في هذا الإطار يأتي البحث بين يدينا والذي يهدف إلى إثبات أن حرية الرأي وهي المبدأ القرآني ليست عامل فرقة بين المسلمين كما يتخوف منها المغرضون أو كادوا، واستمر ذلك منهم المستبدون في الفكر والسياسة، وإنما هي على العكس تمامًا عامل وحدة من أقوى عواملها. وسيتبين ذلك من خلال مظهر واحد من مظاهر الوحدة الإسلامية، وهو الوحدة الفكرية، باعتبار أن الوحدة الفكرية تعتبر من أركان وحدة الأمم عامة، ووحدة الأمة الإسلامية خاصة. فكيف إذًا تكون حرية الرأي عاملًا مهما في تحقيق الوحدة الفكرية للمسلمين؟






Reviews
There are no reviews yet.