الرأسمالية ليست موقعًا محسومًا أو منطقة مالية يمكن أن تحكم جماهير تأثّر سيطرتها عليها أو يمكن مواجهتها حتى بمظاهرات تحمل شعارات مثالية. ولا هي مجرد مجموعة من السياسات «المحكمة» التي يمكن تبنّيها وتصحيحها (كما تدّعي احتجاجات صحّة الأعمال). بل على العكس تمامًا، هي وهم إيديولوجي قديم من الليبراليين والماركسيين تُعرَّف ببساطة على أنها ما يساوي العمالة مقابل الأجر في اقتصاد السوق. لقد كان هذا هو التعريف الأساسي الذي اعتقدت جميع تلك الأطراف بصحته خلال القرنين الماضيين ونحن نتعامل مع تبعات نشأة الرأسمالية. كما أن التنسيق الاجتماعي من خلال الأسواق سيستمر بكل تأكيد حتى ولو لم يعد كونُه تشكيلًا محددًا تاريخيًا للأسواق وبُنى السلطة حيث يكون الربح الاقتصادي الخاص بأي وسيلة ممكنة هو الغاية العليا والمقياس الأمثل للنجاح. فإذا اعتمدنا هذا التعريف للرأسمالية يمكن لنا التوصل إلى تنظيم مختلف ومُرضٍ بشكل أكبر للمجتمع الإنساني.
هذا التعريف للرأسمالية هو ما اجتمع عليه خمسة باحثين في كتاب بعنوان «هل للرأسمالية مستقبل؟»، ناقشوا من خلاله التحديات والفرص القائمة على أساس معرفتهم بعلم الاجتماع المتعلّق بتاريخ العالم. وهؤلاء هم: إيمانويل والرشتاين، إندال كولينز، مايكل مان، جورجي ديرلوغيان، وكريغ كالهون.
وفي الكتاب يبين إيمانويل والرشتاين «المنطق الكامن خلف توقّعه بانهيار النظام الرأسمالي (…) فخلال القرون الخمسة الأخيرة كانت الرأسمالية هي نظام اقتصاد السوق السائد في العالم والقائم على هرمية طبقية واضحة حيث كانت نخبة مستقبلية موضوعية عادة في المركز الجغرافي لهذا النظام الاقتصادي في وضع يتيح لهم جني أرباح هائلة ومضمونة إلى حد كبير». لكن، وكما يقول والرشتاين، فإن هذه الحالة التاريخية – بغضّ النظر عن ديناميكيتها – ستصل في نهاية الأمر إلى حدود النظام التي تقوم عليه، كما هو الحال في جميع الأنظمة التاريخية. في هذه الفرضية ستنتهي الرأسمالية بإحاطة الرأسماليين أنفسهم.
أما إندال كولينز فيركّز في الكتاب على آلية أكثر تحديدًا تتحدى مستقبل الرأسمالية والمتمثّلة بالتبعات السياسية والاجتماعية لتحوّل ما قد يصل إلى ثلثي الطبقة الوسطى المتعلّمة إلى عاطلين عن العمل – سواء في الغرب أم على مستوى العالم كله – بسبب حلول تكنولوجيا المعلومات محلّهم. أمّا كريغ كالهون فيأخذ النقاش في اتجاه معاكس تمامًا قائلًا: فمن الممكن إنقاذها إذا تم إصلاح الرأسمالية. ثم يعود ويتوسّع في شرح نقطة يعترف الجميع بصحتها، وهي أن الرأسمالية ليست مجرد اقتصاد سوق بل هي اقتصاد سياسي أيضًا حيث تحدد الخيارات السياسية شكل إطار عملها المؤسسي. وأما مايكل مان فيفضّل حلًا اجتماعيًا ديمقراطيًا لمشاكل الرأسمالية، ولكنه في الوقت عينه يعرض لمشاكل أعمق قد تنشأ من مصادر متعددة الأسباب للسلطة. فإضافة إلى الرأسمالية تشمل هذه الأسباب: السياسية العسكرية والأيديولوجية وتعددية الأقاليم الدولية. بحسب رأي مان فإن هذه التعقيدات تجعل مستقبل الرأسمالية أمرًا صعبًا. أمّا جورجي ديرلوغيان فيطرح – وعلى أسس أكثر تجريبية – السؤال التالي: كيف سيبدو انهيار الرأسمالية الغربية المتقدمة؟ أو بشكل أكثر تحديدًا: هل يمكن لثورة افتراضية مضادة للرأسمالية تتبع النمط التقليدي الذي جرى سنة 1917؟ أم هل ستتبع الحركات المدنية التي أطاحت بالأنظمة الشيوعية شرق أوروبا سنة 1989؟ وأخيرًا يتساءل كريغ كالهون: ما الذي يهدد الرأسمالية الآن؟




Reviews
There are no reviews yet.