تأتي أهمية هذا الكتاب من كونه يعالج مواضيع متشعبة في النزاعات الدولية، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، والاستراتيجية الدولية. فهو كتاب خاص في علمي المساومة والتصرف الاستراتيجي، وواحداً من الكتب الهامة الأكثر تأثيراً في الغرب منذ العام 1945، مما أكسب مؤلفه سمعة إلى أن المبادئ والأفكار الواردة فيه ما زالت تنطبق على النزاعات القائمة في وقتنا الحاضر.
وبما أن فض النزاعات الدولية من أهم أولويات المؤسسات الدولية، كان لا بد من إيجاد آليات وأفكار أصيلة تقنع أطراف النزاع دون خسارة للبعض الفادح، الذي قد يصيب طرفاً من أطراف النزاع. وتظهر أهمية الأفكار والآليات التي ابتدعها المؤلف في كتابه هذا، إذ وضع نظرية هامة جداً في هذا المجال وهي Theory Game أو نظرية الألعاب الاستراتيجية.
وقد استطاع المؤلف عبر طرحه للمعادلات وأفكار الألعاب الاستراتيجية التي تتقاطع مع العلوم الرياضية أن يساعد القارئ على فهم أفكاره وقضاياه بسهولة.
وقد وضع هذا الكتاب عندما كان النزاع في أوجه بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وبالرغم من دعائته للحياة، إلا أنه كان يهدف إلى ترجيح الكفة الأميركية.
تتسم محتويات هذا الكتاب بالجرأة والأصالة، فقد كان له تأثير كبيراً لأصحاب القرار وواضعي استراتيجيات فض النزاعات بين الدول في طريقهم للوصول إلى غاياتهم. وقد ركز في بدايته على مواجهة الحرب الباردة، خصوصاً في جانب الردع النووي السوفياتي والأميركي، ليخلص إلى أن السلاح ليس القوة بل إن نجاح المحور الأميركي برسالة أميركية تقول فيها للسوفيات إن مخزونها من السلاح هو أكبر، وأن الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية التي ادعى صانعو السلاح الأميركي أنها جعلت أميركا في منأى عن طاقة الصواريخ الباليستية السوفياتية، مما دفع السوفيات بعيداً عن مواجهة استراتيجية شاملة مع الأميركيين. وكان من أهم خطواته الاستراتيجية أن قام الرئيس الأميركي رونالد ريغان بمقايضة غورباتشوف في آيسلندا، وفتح صفحة جديدة في التعامل بين البلدين.
يقسم هذا الكتاب إلى أربعة أجزاء، يتضمن العاملين التاليين: الجزء الأول يأتي بتعريف عناصر نظرية الاستراتيجية، حيث يقول المؤلف: “إن الاستراتيجية، بالمعنى الذي أستخدمه هنا، ليست معنية باستعمال الكفة للقوة وإنما باستغلال القوة المحتملة. وهي ليست معنية بالأعداء الذين يكره بعضهم بعضاً وحسب، وإنما بالشركاء الذين لا يثق بعضهم ببعض، أو لا يتوافق بعضهم مع بعض أيضاً.” ويتابع: “وإذا استخدمنا مصطلحات نظرية اللعب Theory Game فإن أكثر النزاعات الدولية إثارة للاهتمام ليست هي الألعاب ذات المحصلة الصفرية وإنما الألعاب الاستراتيجية.”
أما الجزء الثاني فجاء بعنوان: إعادة توجيه اللعب، وفيه يقول: “سنحاول توسيع مجال نظرية اللعب لتحديد الألعاب ذات المحصلة الصفرية على أنها حالة خاصة وليس نقطة انطلاق. وهذا التوسع سيكون في اتجاهين: أولهما تحديد العنصر الحسي والإبداعي في التوقعات المتبادلة للأطراف، وثانيهما تحديد الاحتمالات التي تمكن من خلق ألعاب جديدة غير الألعاب التقليدية.”
ويأتي الجزء الثالث بعنوان: الاستراتيجية والمكون العشوائي، ويعني بالاستراتيجية العشوائية تلك التي تمنع خصمك من توقع كيفية اتخاذ القرار وتحمي نفسك من دلالات السلوك المعتاد التي يمكن للخصم التعرف عليها، أو من تحيز غير مقصود في خياراتك عند اتخاذ القرار أو التوقع.
أما الجزء الرابع فيبحث في الهجوم المفاجئ، دراسة في الارتباط المتبادل، ويركز على الخوف من الطرف الآخر والدفاع عن النفس. هذه هي مشكلة الهجوم المفاجئ: فإذا كان عنصر المفاجأة ميزة فمن الجدير أن يتم تجنبها بالهجوم أولاً…
وينتهي الكتاب بثلاثة ملاحق تتضمن الموضوعات التالية:
الملحق (أ): الأسلحة النووية والحرب المحدودة.
الملحق (ب): التخلي عن التناظر في نظرية اللعب.
الملحق (ج): إعادة مفهوم حل الأزمات “غير القانونية”.
وخاتمة وملاحق هامشية.
يبقى أن نشير إلى أن توماس شيلينغ من مواليد سنة 1921 في أوكلاند بكاليفورنيا، يحمل إجازة في الاقتصاد من جامعة كاليفورنيا، ودكتوراه من جامعة هارفارد سنة 1948، والتحق بمكتب موظفي البيت الأبيض، وعمل مستشاراً للرئيس في شؤون السياسة الخارجية، ثم أصبح أستاذاً في جامعة هارفارد. نال جائزة لجنة نوبل لمساهماته في فهم التعاون والنزاع، وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2005.



Reviews
There are no reviews yet.