لم تبقَ الحداثة حبيسة المقولات التجريدية، النظرية، المنطلقة من مفاهيم فلسفية تحاول أن تنظّم التجديد القائم على المغايرة والمخالفة لمستويات الحياة شتّى، ومنها الأدبية؛ إذ تحوّل المنجز الشعري العربي في نهاية أربعينيات القرن الماضي إلى بناء أسلوبي جديد يترجم المفاهيم الحداثية بإبداع شعري يسعى إلى خلق كينونة أسلوبية تتمرّد على الموروث الشعري الغنائي التقليدي، ولم يتحقق ذلك المنجز إلا بالتحوّل نحو البناء الدرامي، الذي انفتحت بفضله التجربة نحو الموضوعية، فكانت القصيدة الدرامية بما اختزنته من تجربة شعرية جديدة تُعلن فتح فضاء النص شطر الأجناس الشعرية الأدبية الأخرى كالمسرح والسرد والسينما، لإنتاج نص شعري جديد يتغذى من المعطيات الحداثية الساعية إلى الانحراف عن جادة التقليد الشعري.
من هذا المنطلق يرى مؤلف هذا الكتاب، الدكتور أحمد مهدي الزيدي، أن القصيدة الدرامية هي المعيار الأسلوبي الفني المؤطر لخارطة الحداثة الشعرية العربية، ولا غرابة في أن يختزل مصطلح الحداثة الشعرية بمصطلح القصيدة الدرامية، بكل ما ينطوي تحته من أشكال شعرية درامية متنوعة تعكس اتساع مفهوم التحول الحداثي لدى الشاعر العربي الحديث بصورة عامة، والشاعر العراقي بصورة خاصة، لأنه الرائد الأول للمنجز الشعري الحديث.
إن تنوّع الأساليب الدرامية وتشظّيها بين أشكال بنائية متعددة دعا إلى تباين الرؤى النقدية الراصدة للتحولات الشعرية الحديثة وتنوّع المعايير النقدية المستخدمة للقصيدة الدرامية، ولعل تباين المفاهيم الاصطلاحية المعبّرة عن الأساليب الدرامية هو من أول المؤشرات النقدية على اختلاف المعايير النقدية، بل إن إصرار القصيدة الدرامية على تبنّي مشروع الحداثة بمنطلق المغايرة والحركة المستمرة، هو جزء من القلق النقدي بشأن ماهية القصيدة الدرامية.
من هنا تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية تخرج من الفني إلى الأسلوبي لرصد تحولات القصيدة الدرامية العراقية، ابتداءً من جيل الرواد حتى عام 2000م.






Reviews
There are no reviews yet.