تندرج رواية «ساعات وردية» في صيورة التراكم الإبداعي المتنوّع الذي دأب الكاتب الكويتي حمد الحمد على اجتراحه، منذ «مناخ الأيام» (مجموعة قصصية، 1988)، «ليالي الجمر» (مجموعة قصصية، 1991)، «أنغام وتقاسيم الزمان» (مجموعة قصصية، 1994)، «زمن البرج البدايات» (1997 فائزة بجائزة الدولة للرواية)، «مساحات الصمت» (رواية وقصص أخرى، 1999)، «الأرجوحة» (رواية، 2002)، «اختطاف ثانيا» (رواية، 2014)، وغير ذلك من كتب تاريخية وثقافية، وآخر إصداراته عن دار جداول «شعراء الكويت في قرنين: صفحات من تراث الشعر الشعبي والنبطي في الكويت، 1836-1969»، مرسخًا بذلك تقاليد حكائية لها وارداتها، بما تستحضره من نكهة فنية جديدة، تتسم بنضادتها اللغوية والأسلوبية المتنوّعة، وما يتصل بها من أدوات الفن السردي.
في «ساعات وردية» يرصد الروائي حمد الحمد الحالة النفسية للسجين، فيقدّم قراءة لهذا العالم المغلق من داخل الأسوار، ويعيد صياغته على شكل «مذكرات» يهدي بؤرها إلى بطله السجين «بدل» الإخصائي الاجتماعي الذي دخل النادي الكبير (السجن المركزي) وأصبح (زبائنه) عصفورًا من عصفاقه، يقيم بعد علاقات صداقة مع أصدقاء الجدر، ومنال يقتهم هو موت ليس يقضى معهم على نحو كل واحد منهم وهم يسردون الأسباب التي أوصلتهم إلى هذا المصير، ومن ثم تقوم على شكل ذكريات ذات قلم ذي ذاكرة متقدة توظف في هذه الرواية ثلاث مناطق للذاكرة، التي يعتمد عليها السرد، من خلالها تظهر ملامح الرواية المتعددة الأصوات، الذين يقدمون رواية واحدة يتبادلون سرد فصولها بإجماع على أنهم متورطون، ويتوقون للحرية.
«ساعات وردية» رواية السجون على هامش الحياة وإفراز فوضاها، هي صورة عن سجن الحياة وأسوارها العالية وتوق البشر للانعتاق والحرية. فهل أراد حمد الحمد القول أننا أسرى أحلامنا سواء كنا داخل السجون أو خارجها؟
من أجواء الرواية نقرأ:
«… لماذا قمت بحرق مذكراتك التي أخذت منك جهدًا في كتابتها؟ وراح يوجه لي العديد من الأسئلة.. ثم قال: “أعرف أن حسين هو من يتحمل المسؤولية وهو يعرف بذلك.. ولكن ليست جريمة أن تحرق ما كتبت… وأن تترك النيران تلتهم تلك الصفحات.. ورقة ورقة!” قلت: “أليس حرام؟” ابتسم. وقال: “يا بهمهندس لقد تعلمنا في هذا النادي الكبير الكثير من فنون الخداع والألاعيب…” ثم همس: “لماذا تعني؟” جاءت إجابتي بابتسامه: “تلك الكراسات التي حرقت ليست هي الكراسات الأصلية. المذكرات الأصلية كتبتها بخط يدي، وإنما هذه مذكرات كتبت عليها كتابات ووضعت عليها أوراق صحف وحاولت بعد أن أشعل حسين فيها النار، وكنا قد قمنا بتهريبها من مكتب الضابط إلى مكتب الشرطة”.
ضحك شوكت. وقال: “أه… وضحكت أنا والبههندس، يقبل نحوي ويصافحني بحرارة قائلاً: مبروك.. بعد ثلاثة أيام سيتم الإفراج عنك”.
خرجت من المكتب برفقة أحد المعدوين.. وأنا أسمع أحمد وهو عضو جديد بالنادي يناديني بصوت مرتفع: “يا دكتور.. يا دكتور.. يا دكتور”.
أردّ عليه…»



Reviews
There are no reviews yet.