هل لا بدّ أن يُترك بعضًا من معالم حياته عصيًّا على الفهم كي يحمي نفسه، أم أنّ الأفضل له أن يصبح كيانًا مفتوحًا؟ من المحتمل لو أنّ ناصرًا بطل رواية الكاتبة «رماء الغائب» كان أكثر وضوحًا لـ«نماء» لربّما قلّ ذلك من افتتانها به، وانجذابها لعالمه المليء بالأمور الضبابية.
هذا ما تقوله رواية «رائحة المطر»، وهي ترصد معاناة امرأة تعيش في وسط اجتماعي معيّن، في طور التحوّل من البداوة إلى التمدّن، وعلاقات أُسرية ذات طابع ذكوري يسمح بتعدّد الزوجات. ولكن على الرغم من ذلك استطاعت «نماء» أن تعبّر بحرية عمّا تريد. أحبّت ناصرًا صديق أخيها أحمد، وذاك نسج عالم الأحلام الجميلة؛ ولكن لن يطول الوقت حتى تكتشف أنّ الحياة ليست لها كما يحلم الجميل. فقد كان في حياة ناصر لغزًا يتعلّق بأسرته جعله غير منسجم مع نفسه ومع الآخرين من حوله وحتى معها. في تلك اللحظة بدأت تتساءل: هل يستطيع الإنسان أن يتحوّل من القفز إلى النفق بين يديه وضدّه؟ كيف للجمال أن ينتقل إلى القبح دون مقدمات؟ بل كيف يتوقّف كي يتعامل معها كلّ هذه القسوة؟ تذكّر جيدًا كيف تسلّل إلى حياتها وأتحمّسها دون مقدمات؛ ليتلاشى الآن دون مبرّرات.
تتّبع الراوية نماء الغائب راوٍ واحدًا يروي الأحداث من موقع الشاهد والمشارك، ما يمنح السرد مصداقية لم تكن لتتوفّر لها لو أنّها استخدمت الراوي العليم مع أنّ هذه الأخيرة كامنة، بشكلٍ أو بآخر، في عمل الراوي المشارك، وهي تستخدم صيغة المتكلّم مع صيغٍ أخرى لا سيّما صيغة الغائب. وتقنية الاسترجاع والتذكّر فالذكريات في النص تلعب أدوارًا عدّة، فقد تكون مقدمات تمهيدية لوقائع معيّنة هي نتيجة طبيعية لها، والعالم المرجعي الذي تحيل إليه الرواية. وأمّا الحوار في حال وروده فإنّه يأتي على شكل جمل وعبارات تعبّر عن المعنى بما يناسب الفكرة المتداولة والرسالة التي تنوي الكاتبة إيصالها، وعن تطوّر الأحداث والشخصيات.
وحكايات الشخصيات الأخرى التي تدور في فلك الحكاية الرئيسية موزّعة على 66 وحدة سردية قصيرة متتابعة، حيث يحمل كلّ منها عنوانًا يجعل اسم مكان أو شخصية أو حدث، مع عناية نوعية في وصف الشخصية الروائية وما تحيل إليه حكايتها؛ بحيث إنّ لكل شخصية حضورها في النص، الرابط بينها شخصيتا بطلي الرواية «ناصر» و«نماء». توزّعت الوقائع على النص بما يخدم الحكاية الأساسية، وهكذا يكون الخطاب الروائي أقرب إلى الرواية الحديثة منه إلى التقليدية.



Reviews
There are no reviews yet.