يعيش الفراغ الروحي حين يتضايق فتنشدّ به موجات قطعية من الألم النفسي، يضغط ويكبح بصمت…! يستحضر تاريخه وعاطفة الأمومة ودفع الأمل وإحساسًا روحيًا غامضًا بالفطرة مثل ضوء خافت يخاف عنه، لكنه لا يخطر بباله أي ملاذ إيماني يُسكن أوجاعه وهمومه…!
تأخذه دوامة من التأملات المنطقية المادية، يحسب الأمور حسابات عقلية… بعيدًا عن الإيمان بالله… يحسبها أسبابًا ومسببات، ويخرج بمعادلات تؤكد نجاحاته… ثروته… نفوذه… تطوره… ولكنه تعيس يعاني من البؤس والوحشة من ألم مخبأ، مثل سجين مريض حكم عليه بالإعدام ولا يعرف موعد التنفيذ!
يهرب من إرث الذاكرة التي أثقل روحه، يتردد صداه فِتَرًا مؤلمًا في رأسه، يريد أن يبدّد عهده النفسي العاصف… وكلما تزاحمت أوجاعه صدعته نوبات غضب له حنجرة تفسد حلقه، يبقى ساعات ويتمنى… يهرب من أسئلة تحاصره.
هذه التقديم يدخل بنا إلى رواية “الخطاب” للكاتب الروائي السوري محمود حسن الجاسم، وتناظر على مرحلة شهدتها سوريا تمتد من ثمانينات القرن الماضي وإلى اليوم، يطرحها على لسان واحد من أوجاع المرحلة السوداء التي عاشتها البلاد في تلك الأوانة، والتي اتسمت بالنفوذ والسلطة وتسلط النظام المخابراتي وتحويل المواطن إلى مجرد أداة لتحقيق مآرب غير مشروعة.
أما قراءة هذه الأحداث روائيًا فتقع من نوع “التقنية الروائية” التي يسند الكاتب عبرها فعل الرواي إلى “المراجع اللغوي” الذي سوف يروي للقارئ قصة لقاء البطل وقبوله مراجعة النص وسرده لتفاصيل حياته قبل تعرضه لحادث سير تسبب به ثلة من أبناء السلطة الحاكمة في البلاد؛ وكانت النتيجة ضربة على الدماغ سوف تتخذ من ورائها حياة حازم منحى آخر غير ما كان يتمناه ويحلم به، فيصبح معاقًا وقعيدًا له طباع الدراويش المشردين، وملامح المغيبين، يرفضه المجتمع، وتتركه خطيبته، وفوق مصابته تلاحقه أجهزة المخابرات ويتم استغلاله ثم التضحية به، أما كل ما كان يؤلمه تلك النظرات التي لا تعرف الحياء “متطاولة تتسلخ إلى نفسه تَعري خصوصيته ووجهه..”
هذه الرواية سورية الأب وسورية الابن بكتابتها محمود حسن الجاسم شهادة صادقة ضد الظلم والتسلط، سوف تشكل علامة فارقة في مسار الرواية السورية ومصارع عاجلها أيضًا. وهذا الخطاب لا تعبر رواية “النظرات التي لا تعرف الحياء” خارج الزمن الروائي الراهن، بل تعد وتُكتب بامتياز.



Reviews
There are no reviews yet.