هذه الرواية تحكي ما احتفظت به ذاكرة الأجيال لقرية “عصيرة” جنوب غرب السعودية، على امتداد مائتي عام وأكثر، قبيل وأثناء تصدعها واضمحلالها أمام سلطة أخرى. لقد تدبر الروائي يحيى أمقاسم اشتغاله السردي، على أنماط مختلفة، وبنظرة من الأعلى عارفة بالبدايات والنهايات جميعها، وبنبرة قادرة سحبها لشبيه عالمه السحري، إذ جعلها أولًا من الخطابات فيها استكشافًا لفساد ما ينسجم مع طبيعة ذلك العالم المدهش أنها رواية تستجيب استجابة كبيرة للقراءاتي الإيديولوجية، دون أن تفقد شيئًا من الفرادات.
في هذه الرواية عاد الروائي إلى نهايات القرن التاسع عشر، إلى مكان بعيد، لتكون رواية عن فساد الأزمنة، لكنها قبل كل شيء رواية عن الذات الإنسانية الحرة، عن عالم ملحمي يرتحل، لا يبحث أهله عن الذين لا يعترفون بممارسوا الفضيلة، ولا يعاقبون بمفهوم ولم يعصروا النهوض إلا عند معادلة الطبيعة.
أعطى لذروة الرواية الأولى المعنونة “الغواية” عملًا فنيًا متميزًا، جيدًا في الشكل والصياغة، لا يحاكي ولا يقلد، ويشق عناصره من تجربة إنسانية سبقت بغيرها. وأكد أن أدب المكان هو نداء للوعي، وأن معنى الحكايات من ساردها، وأن السارد الرحيم هو الذي يحرر الأزمنة من أمكنتها الضيقة، ويحرر الأمكنة من نواتيات حاكبة، تحرر عن اغتراب الإنسان، وعن عمل مؤجل.
لقد أعلن يحيى أمقاسم في عمله هذا عن ولادة جديدة لأصيلة الرواية السعودية، وعن جديد روائي يوسع آفاق الرواية العربية.
فيصل دراج




Reviews
There are no reviews yet.