تتقاطع أحداث هذه الرواية بين أحداث الماضي وذكريات العراق مهد طفولة الكاتب، و”مهد الحضارات”، وبين أحداث حاضر تدور في إسبانيا محطّة “السلام” بعد طريق طويل مكتظ بالحروب، بين ما يربط الإنسان بوطن الأجداد، وبين حياته في بلد الهجرة المحتضن للقادمين أو الهاربين من واقع بآلامه الأليمة. بأسلوب روائي قصصي، يقابل الكاتب المشاهد والصور التي تبرز المواضيع الأساسية لحياتين مختلفتين تعودان للشخص نفسه، إحداهما كونه ولا تزال تسكنه حنينًا، والأخرى مكتسبة يعيشها بإرادته، ويفرضها التأقلم مع يوميات حاضر عملي. “فمنذ هروبي خارج أقواس العراق قبل عشرة أعوام وضلّت نفسي على إنسيان حتى توطنت”.
وفي محاولة للوصول بين الحياتين، كان الراوي يقص صورًا من الجرائد لوطنه الأصلي، ينتقي منها الأقل قسوة ويعلّقها على جدران غرفته، ينظر إليها ويداعب حسّه بها — “موطني الأول حنيني شوقي إلى احتضان أمي، إخوتي، إلى زيارة قبر عائلتي، إلى رحلة في دجلة، إلى أصدقائي، إلى أفراننا وحصونا وجناننا والجمال”. وعائلة ابنة عمه وحبيبته الأولى التي قضت غرقًا في النهر.
لكنه يستنتج بعد حين: “كنت أصافح بيئة التخفيف من غربتي لكنها في الحقيقة تزيدها”. كانت هذه الصور أيضًا مصدر تعليق الأب الذي التقى صدفة في إسبانيا، إذ قال: “كنت أظن بأنك أعقل من هذا”. إذ تقع في الحنين المرضي الذي يغرق فيه جل المغتربين حين يصورون لأنفسهم بأن كل شيء جميل في بلادهم التي غادروها، بما في ذلك الخراب والمنازل.
ذكريات ماضيه حاضرة بقوة، وسرد قصص قريته و”فضح” أهله. قال تشجيعًا لابنه الذي قال له: “اكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث”. هذا العالم جاف. أبوه الذي فوجئ بوجوده في إسبانيا وأصبح شخصًا مختلفًا تمامًا عن من كان عليه في العراق، وكأنه ليس هو نفسه الذي جرّم “لمحاربة الحكومة” لمجرد أن أحدهم في وضع مؤخرة “أخته إستبرق” التي كانت رفيقة طفولة الراوي وشبابه.
فيستعيد تفاصيل حادث الهجوم على مبنى محافظة كركوك، والذي شارك فيه الجد وشخصيته الحاضرة بقوة.
بين الإحساس العميق بمفاهيم الشرق، وبين ما يقدمه الغرب من مفاهيم وأطر ثقافية مختلفة، تتطرق هذه الرواية إلى مواضيع متعددة كالهجرة والاغتراب والحنين والحب ومفهوم الوطن، عبر صور معبّرة ومشاهد قوية ومؤثرة، لكن في إطار من الحنان الذي يخفف القسوة، ومن خلال نظرة إنسانية عادلة، تبحث عن الرفق.




Reviews
There are no reviews yet.