انطلق القارب متجهًا نحو الضفة الأخرى والتزم الجميع الصمت، وهم لا يدرون أي مصير ينتظرهم، وكان سعيد يودّع اليابسة بنظرة من ضاع منه كل شيء، ويحاول أن يسترجع الماضي الهارب في لحظاتٍ متقطعة، لكنه لم يكن ليستجمع شتات أفكاره، وأنه لم يرجع زمن اغتنام الظروف القاهرة. ينظر ذات اليمين وذات الشمال، ولا يرى إلا زرقة البحر تتداعب الأمواج المغادرة والمبللة عن اليابسة. تنفس محطة المغادرة الرابعة، فتنفلت أضواء طنجة اللامعة وتتوارى مع استحياء أبنائها الذين خافوا من الرفض مما جعلهم يحثون الخطو بشجاعة من صنعهم، بثقة، فشعور عنيف وهو يضع قدمه داخل القارب، كان كمن يسقط في الظلام أما مكمن الخطر أن تصطدم به شدة أمواج القارب، وهو يحاول في استحياء، وربما خوف وهلع، إخفاء شعوره. علل الذي كان بالأمس زيد النساء، فكيف له الآن أن يظهر بمظهر الخائف أمام فتيات استسلمن في خضوع تام للقدر المجهول، وتبادل الأخوة النظرات، وتلو النظرات يرددون الإفصاح عن شيء أصبح أمرًا مفهومًا: أشياء ما كان لها أن تحدث لو تقدّموا للأمام بذكائهم.
| Author | عبد السلام الفزازي |
|---|---|
| Publisher | الدار العربية للعلوم ناشرون |
| Year | 2006-01-21 |
| Language | Arabic |
| Pages | 157 |
| ISBN | 9953294763 |
| Cover | ورقي |



Reviews
There are no reviews yet.