تبدو «أوف» للوهلة الأولى رواية حميمة ومضحكة ومؤثرة في آن، تحكي قصة حب وعلاقة إنسانية داخل نسيج المجتمع. غير أن خلف هذا الدفء الإنساني يختبئ شيء مختلف: فأوف رجل يثير الضيق أينما حلّ، يراقب الآخرين بعين ناقدة، ويغضبه كل ما يراه خروجًا عن النظام. يعتقد أن الحي الذي يسكنه محاصر بالبلاء: جيران لا يعرفون الوقوف الصحيح، ولا يفرزون القمامة كما ينبغي، وسائقون لا يحترمون القواعد، حتى التفاصيل الصغيرة تتحول في نظره إلى تهديد للنظام العام.
ورغم ذلك، لا يتوقف أوف عن جولاته اليومية في الشوارع المحيطة، كأن هذا التمسك بالروتين الصارم هو طريقته الوحيدة لتثبيت العالم في مكانه. النظام عنده ليس مجرد هوس، بل محاولة يائسة للإمساك بمعنى، بعد أن فقد شيئًا أساسيًا في حياته. ومن هنا، يصبح غضبه جزءًا من شخصيته، لا علامة على قسوته بقدر ما هو درع يحمي هشاشته.
نلتقي بأوف في السابعة والخمسين من عمره، يقود سيارة «سآب» قديمة، ويرفض كل ما هو حديث، سواء في السيارات أو السلوكيات أو الأفكار. يعمل في متجر للأدوات والدهانات، حيث تُظهر مواقفه اليومية صرامته وتمسكه الحرفي بالقواعد. في أحد المشاهد، يساعد شابًا نحيلًا في تحميل صناديق ثقيلة إلى سيارته، دون أن يتخلى عن نقده اللاذع، وكأن اللطف لا يُسمح له بأن يظهر إلا مقترنًا بالتذمر.
أوف ليس قاسيًا بقدر ما هو رجل عالق في ماضيه. إنه يحاكم الحاضر وفق معايير زمن مضى، ويقيس الناس بأدوات لم تعد صالحة. ومع ذلك، تتكشف شخصيته تدريجيًا، وتظهر طبقات إنسانية تجعل القارئ يعيد النظر في أحكامه الأولى. فخلف هذا الجدار الصلب يعيش رجل قادر على الحب، وعلى التضحية، لكنه لا يعرف كيف يعبّر عنهما بلغة بسيطة.
الرواية توازن بذكاء بين السخرية والتعاطف، وتمنح القارئ فرصة للضحك ثم التوقف للتأمل. «أوف» ليست مجرد قصة عن رجل صعب المراس، بل عن العزلة، والفقد، ومحاولة البشر إيجاد معنى في عالم لم يعودوا يفهمونه تمامًا. إنها تذكير بأن أكثر الشخصيات قسوة قد تخفي في داخلها قلبًا أنهكه الحب والخسارة.







Reviews
There are no reviews yet.