تنطلق هذه الرواية من ذاكرةٍ مثقوبة لامرأة تُدعى مليكة، تتداعى عبرها أحداث الماضي لتعيد القارئ إلى الجزائر في زمن مضطرب، تحديدًا من ستينيات القرن الماضي وصولًا إلى تسعينياته. يأتي السرد في قالبٍ جريء يتناول قضايا العنف، وجرائم زنى المحارم، وقتل الأطفال، بوصفها ظواهر اجتماعية مسكوتًا عنها، تفاقمت في مرحلة ما بعد الاستقلال.
تُبرز الرواية مأساة النساء والأطفال بوصفهم الضحية الأكبر للتحولات السياسية والاجتماعية، حيث تتكرر مشاهد القتل والخذلان. تمثّل شخصية مليكة نموذجًا للمرأة المقهورة التي تواجه الحياة مثقلةً بالفقد، بدءًا من مقتل الرضيع فؤاد، وصولًا إلى موت الأم فجأة أثناء النوم، في حادثة تحوّلت من واقعة غامضة إلى علامة فارقة في تشكّل وعي البطلة.
يتقاطع الماضي بالحاضر في سردٍ متشظٍ، تتداخل فيه الذاكرة مع الزمن، ويتحوّل الاسترجاع إلى أداة لكشف أوجاع الفرد والمجتمع معًا. فمليكة لا تستعيد ذكرياتها فقط، بل تعيد فتح ملفّات الخطيئة، والصمت الجماعي، والنفاق الاجتماعي الذي يبرّر العنف ويقمع الضحية باسم العيب والتقاليد.
تفضح الرواية ازدواجية المجتمع، حيث تُرتكب الفظائع في الخفاء بينما يُفرض الصمت في العلن، وتُخضع الضحية لنظام من القهر الأخلاقي والديني. وفي هذا السياق، تصبح الذاكرة فعل مقاومة، لا مجرد استذكار، إذ توظّف الكاتبة وعي مليكة وإدراكها الفني لتحويل الألم الشخصي إلى شهادة جماعية على واقع مختل.
تتجاوز الرواية البعد الفردي لتغدو نصًا انتقاديًا حادًا للمرحلة الظلامية في الجزائر، كاشفةً أن العنف لم يكن طارئًا، بل نتيجة تراكمات من القمع، وسوء الفهم الديني، وغياب العدالة. ورغم سقوط الأقنعة ومحاولات الإصلاح الظاهرة، يبقى الجوهر معطوبًا، لأن العدالة لم تتحقق، ولأن الصدمات النفسية ما تزال مفتوحة.
في النهاية، تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًا عميقًا:
هل الحضارات العظيمة تُقاس بتقدمها المادي فقط، أم بقدرتها على حماية الإنسان في أضعف حالاته، وكشف المسكوت عنه بدل دفنه في العتمة؟







Reviews
There are no reviews yet.