كان إيكاروس، بطل الرواية، يسير في أحد الشوارع عندما هبّت العاصفة، فسقط حجرٌ ثقيل من سطح أحد المنازل القريبة وأصاب رأسه. نُقل بعدها إلى المستشفى مصابًا بارتجاج في الجمجمة، خلّف لديه اضطرابًا في الذاكرة؛ إذ بدأ ينسى أكثر مما ينبغي، لا الأحداث فحسب، بل حتى أماكن الطفولة وأسماءها.
تتدفّق ذكريات إيكاروس بصورة غير منتظمة، فتأتي مجزّأة ومشوشة، لا يراها إلا حين يقف أمام نظيرٍ لأحد أماكن ماضيه. حياته السابقة—بما فيها من طفولة، أصدقاء، وتفاصيل صغيرة—تبدأ بالانفلات منه تدريجيًا، كما لو أنها تتبدّد مع الزمن. ولأجل استعادة خيط ما يربطه بذاته، يسعى للحصول على رسمٍ دقيق لدماغه المضطرب، باحثًا عن تفسير مادي لهذا الانهيار الداخلي.
يتجول إيكاروس في شوارع كوبنهاغن مكتشفًا خريطة تشبه صورة دماغية؛ شبكة من المسارات والعُقد، أشبه بتمثيل بصري للذاكرة الإنسانية. وفي أحد الأيام، ينتقل إلى شقة تطل على مبنى مقابِل، فيبدأ بتأمل هذا البناء بوصفه استعارة علاجية: مساحة يمكن أن تكون بلسمًا لذاكرةٍ تتآكل، ومخزنًا للأشياء والكلمات التي لا يزال قادرًا على تذكّرها، أو على الأقل ملاحقتها.
ومع كل محاولة للفهم، تتسع الفجوة بين ما فقده وما يمكن استعادته. فلا يملك إيكاروس سوى أن يراقب ذاته من الخارج، محاولًا الإمساك باللحظات الهاربة، ومقاومة الانمحاء الهادئ للهوية.
تقدّم هذه الرواية عالمًا أدبيًا يلامس تخوم الواقع والبيولوجيا، ويفتح بابًا للتأمل في الفلسفة، والحب، والموت، والذاكرة، ضمن أجواء غرائبية كثيفة. إنها تجربة سردية قريبة من الروح الكافكاوية، لكنها تحتفظ بنبرة شاعرية خاصة، تجعل العمل متفرّدًا، يتجاوز التفسير العلمي ليغوص في سؤال الوجود ذاته: من نكون حين تخوننا ذاكرتنا؟






Reviews
There are no reviews yet.