تأتي أهمية هذه الرسالة للشيخ “محمد الفاضل بن عاشور” من قدرة صاحبها على تحليل ظواهر المشكلات التي يعاني منها عالم المسلمين، وتقليب وجهات النظر على وجوهها المتعددة، واستحضار الرؤى الإصلاحية السابقة، ومحاولة اختبارها، وتحديد الإصابات التي لحقت بها، والاعتبار بها، وفتح الأبواب للبحث في العلل والأسباب التي انتهت بالأزمة إلى ما صارت إليه. حيث لم يقتصر في ذلك على اجتهادات وميراث رواد الإصلاح في الداخل الإسلامي، وإنما حاول الامتداد إلى محاولات التفسير التي جاءت من الخارج الإسلامي أيضًا، والتي يمكن أن تكون بعيدة عن إصابة بعض جوانب الأزمة.
وقد توفر للشيخ بن عاشور الكسب الشرعي الرباني، والتشكيل الثقافي، والاستعداد الفطري، الذي ميزه عن أقرانه، والخبرة الميدانية، التي منحته الرؤية الشاملة للواقع الإسلامي، والتعرف على نتائج حركات النهوض والإصلاح.
حيث نشأ وتربى في مناخ والده الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب الكتاب الشهير: مقاصد الشريعة الإسلامية، وشيخ جامعة الزيتونة، رئيس المفتين في تونس مسترشدًا بتوجيهاته، ومعتمدًا على مكتبته الحافلة كنوز العلم ونفائسه.
كما ساعدته المدرسة الزيتونية قضائيًا ومفتيًا، ومكافحة الاستعمار الأجنبي دون أن تغيره موارده الثقافية، وتجاربه الحياتية، جعله يتوفر على رؤية نقدية مستمدة من عطاء الوحي، واجتهاد العقل، تمكنه من تحليل الظواهر وردها إلى أسبابها الحقيقية، وعللها الأصلية، وتحديد مواضع الخلل التي تلحق بروية رواد الإصلاح، ومشاريع النهوض، ومواطن الضعف في بناء عقلية النخب.
إن الاستنتاجات التي يسليها المؤلف على جوانب دعوات الإصلاح، ومشاريع النهوض، وطرحاتها، ذات أهمية في بناء عقلية النهج، وإصلاح مناهج الفكر المطلوبة للباحثين والمفكرين، في دراساتهم وتقويمهم لحركات الإصلاح، والإفادة من تجاربها السابقة؛ بحيث لا يُغيب جانب من جوانبها تحوِّله الظلمة، ويجري التقويم رهينة أو أسيرًا لرؤية المصلح نفسه، وبذلك تتكرر المأساة، ويستمر عجزنا عن امتلاك فقه الخروج.
لذا حاول الشيخ بن عاشور بعد أن استعرض بعض مشاريع النهوض أن يأتي بنماذج للمعالجات والحلول التي وضعت لأزمة المسلمين، ثم اختبار تلك المعالجات، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف، آخذاً في اعتباره الظروف والملابسات التي رافقت دعوات الإصلاح. ولم يفنه اعتماد عنصر الزمن، الذي هو المختبر الحقيقي لصواب الفعل الحضاري، ودراسة مردوده، وخاصة بالنسبة لمن اعتبره عنصرًا منتظرًا للوصول إلى الحل. لقد توقف طويلاً عند بحث مدى إدراك المصلحين العلة الحقيقية، التي مكنت من الإصابة، وساهمت في تكرارها.
كما لم يفته وهو يتناول المنهج الخلدوني، في النظر والتحليل، الإشادة بالنظرية الخلدونية في تحليل الأمور، وتفسير الواقع، واستشراف المستقبل الذي ستؤول إليه الأحوال، والتي برهن الزمن نفسه على دقتها؛ لأن ابن خلدون استطاع أن يكشف العلة الحقيقة للإصابة، ويضع المقدمات الصحيحة، التي سوف تنتهي إلى النظرية المستقبلية الصائبة، بعد أن حاول لفت النظر إلى السبب الجامع الشامل، والعلة الكلية التي ترجع إليه الأمور، وتتفرع عنها جميع الأسباب، بعيدًا عن جدلية لا سبب فيها منشأة المرض أو في الدور، والتناسل، والجهل المجرد عن الفعل الحضاري.
وبذلك تأتي الرسالة بمثابة خطاب موجه إلى النخبة التي أخذت على عاتقها مسؤولية الإصلاح، وما تعانيه هذه النخبة من أزمة، عجزها عن إنقاذ الأمة.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.