فتح القدس وحصار عكّا وسقوط طرابلس وصدى أحداث سورية في بغداد؛ هذه وغيرها وقائع تاريخية تم تسجيلها بأمانة من قبل المؤرخين العرب خلال قرنين من الحروب الصليبية. وقد تمت ترجمة تلك الروايات عن القتال بين المسلمين والمسيحيين إلى لغات أوروبية متعددة، مما مكّن القارئ الغربي من التعرّف إلى “الجانب الآخر” في تلك الحروب المقدسة.
«المؤرخون العرب للحروب الصليبية» كتاب “قديم” و“حديث” في آنٍ واحد؛ إنه كتاب عن الحروب الصليبية بقلم مؤرخي العهد، وقد لبس عصراً وتحلّى بروحه. قام فرانشيسكو غابرييلي في هذا الكتاب بإعادة صياغة مواضيع عمله صياغة افتراضية، فأفاد وقارن ودمج مواد مختلف المؤلفات التي كتبها مؤرخون عن تاريخ ذلك العهد، واستخلص مقاطع من مؤلفات سبعة عشر مؤرخاً مسلماً، منها ما هو تاريخي بحت، ومنها ما هو سجلات حاكمة ومدن ومناطق وسلالات حاكمة، ومنها ما لا يخلو من سيرة ذاتية أو سِيَر لبعض الشخصيات، بل وحتى وصفاً لا يخلو مما يُسمّى اليوم بأنه “بورنوجرافي” لأحوال نساء تطويش وركوب البحار وجنّ التجوال.
تشهد هذه المقاطع على أن المؤرخين العرب تمكنوا من مقارعة أقرانهم الغربيين في جمع المعلومات المادية والتاريخية وسردها، فضلاً عما امتازوا به من صدق التوصيف وإيجاز البيان والعينية في الصورة التي يرسمون بها قادة العدو؛ ففيها دهاء للدوق النورماني، وبراعة ريتشارد قلب الأسد الحربية، وإقدام المركيز كونراد، ودبلوماسية فريدريك الثاني. هناك أيضاً، بطبيعة الحال، سخاء في الأخبار التي تشيد بأبطال المقاومة الإسلامية، وخاصة صلاح الدين الأيوبي الذي استعلى فوق كل الزعماء الآخرين، واحتل مكانة بطولية خارقة بينهم.
هذا كتاب عن الحروب الصليبية يقدم رؤية عربية ووجهة نظر شاملة ومميزة عن الحروب الصليبية. وإن نشره بالعربية سيمنح القارئ العربي هذه المرة على معرفة شيء عن الرؤية الغربية المعاصرة لمجمل تلك الحقبة من الزمن؛ إذ إنه كتاب عن الحروب الصليبية بقلم مؤرخين عرب لتلك الحقبة، لكنه منسق ومنظم بطريقة علمية حديثة، ومن قبل غربي يحاول أن يكون موضوعياً في رؤيته وعمله.
يقول إن الجدال عُرف عندما دخل دمشق في بداية الغزو الفرنسي سورية صُرح أمام ضريح صلاح الدين وقائلاً: “ها نحن يا صلاح فقد عدنا”، والواقع أن بلاد العرب تشهد اليوم وقائع مشابهة لا تخلو من بعض امتدادات الغزو الأجنبي الذي اجتاحها إبان الحروب الصليبية. لذلك، فإن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في مضمونه التاريخي.
وُلِد فرانشيسكو غابرييلي في روما في 27 نيسان/أبريل 1904، وكان من المستشرقين وعلماء العربية، وهو ابن جورجيو غابرييلي أمين مكتبة “أكاديمية لينشي”، تعلّم العربية من أبيه قبل أن يدرس الأدب العربي الكلاسيكي في جامعة روما ليتخرج منها بأطروحة عن أبي الطيب المتنبي.
عمل غابرييلي بين 1928 و1935 محرراً في الموسوعة الإيطالية، ثم عمل بين عامي 1935 و1938 أستاذاً في جامعة نابولي الشرقية. في عام 1938 أصبح أستاذ اللغة العربية والأدب العربي في جامعة روما، وبقي في هذا العمل حتى تقاعده عام 1979، لكنه بقي مهتماً بالدراسات العربية حتى وفاته عام 1996.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.