وحده الخيال يستطيع أن يحرّض عقلنا من أغواره السحيقة، ورواية «بعد صراع طويل مع الخيال» هي انتصار إبداعي لرؤيا غنية بالخيال، تمزج بين حدّيها الواقعي والمتخيَّل. فكيف استطاع الروائي راضي محمد العماري المزج بين هذين الحدّين، تبعًا لطبيعة الأنساق التعبيرية في هذا المتن الروائي المميّز؟
يبدأ النص بتحذير من رأفت عثمان، «بطل هذه الرواية»، وخطابه القولي الموجَّه إلى قارئ محتمل بأن كل ما يراه ليس حقيقة، وكل ما يلمسه ليس موجودًا، فالخيال قد يخدع أحيانًا، بل عليك أن تعيش حياتك في شك دائم، ولا تثق حتى بعقلك؛ فهل يعني هذا أن بطل هذه الرواية خانَه وصوّر له حياة أخرى بينما هو بعيدًا عن عالمه الواقعي؟
تُقارب الرواية حياة رجل يعيش حياة مزدوجة، واحدة «حقيقية» ضاغطة يحضر فيها الكثير من القيود الصارمة وإكراهات المجتمع وأعباء الحياة وقصة حب لم تكتمل، وأخرى «خيالية» تنسج الكثير من الذكريات لمراحل الطفولة والمراهقة والشباب والنضج، فتزدهر فيها حياتُه، وتتحقق في عوالمها أحلامٌ وطموحات؛ قبل أن تنتهي بمفاجآت. بعد صراع طويل مع الخيال، والحب، والهوس… هل سيفصح الرجل عن الخط الفاصل بين الواقع والخيال أم سيبقى عالقًا في دوّامة أخرى لحياة حقيقية فاجعة بما هو أقوى من الخيال؟
في الخطاب الروائي، يعتمد تركيب على عنصر المكان بعد أن تمّ توظيف عمق الأزمنة باستخدام النسق الزمني المتقطع؛ حيث تبدأ السرد من نقطة تزامن عدم توازٍ بين قوى الوعي الممكنة ومسارات اتجاهاته الزمنية صعودًا ونزولًا وتوقّفًا وقفزًا. ففي البداية علاقة البطل بذاته مرورًا بشخصية الرواية، لتنتهي بوقوع هذه العلاقات على حياته. ونحسب أن الرواية لم يسبق إليها أحد، فهو تقديم اختصارات (تنظيرية – روائية) بعد نهاية كل وحدة سردية يمكن اعتبارها بمثابة نقطة توجيهية في ترتيب الأحداث وتواليها داخل النص، وبالعنوان الرئيسي؛ فهي تعمل على استعادة الأحداث وتكثيفها، وخلق فضاء يوهم القارئ بواقعيته، كما أنها تشكّل علامات بنيوية نصية ماكرة وخادعة، تتجاوز وظيفتها «البنية» الروائية لتطال وظائف أخرى تستمد دلالتها من سياق نسيج النص الروائي كله، لتشكّل في النهاية قيمة مضافة في مضمار السرد الروائي الحديث.
من أجواء الرواية نقرأ: «أنا رفؤوف عثمان… أقرأ وأعترف، وأنا بكامل ما تبقّى من قواي العقلية، بأنني إنسان أعيش في الخيال، أرسم عالمًا أعيش فيه يشبه كل شيء إلا عالمي الحقيقي. فأنا، ما أردت أن أراه، فقط أرادني أن أراه، حتى لو كنت أعرف أن ما أراه ليس ما أراه فقط، لأنه يروقني أن أرى شيئًا آخر أعيش فيه ذلك العالَم الخيالي الجميل كثيرًا. والمجنون أكثر، صحيح أن الدوافع واللحظات تمر عليّ كي إنسانًا يطأ هذه الأرض، لكل ما يحدث داخل رأسي لا يفهمه حقًّا حتى القليل، لأن جسدي مجرّد جسم يخضع لقوانين الفيزياء والمكان، والكتابة أما الخيال والوهم فلا».




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.