التاريخ ذاكرة الزمن، لا مراء ولا جدال فيها، ولا مناص من تقبلها باعتبارها حقيقة ثابتة، هذه بديهية مُكرسة. والأدب، بكل أجناسه، سواء كان بالأسطورة المتداولة المتناقلة عبر الأحقاب شفاهة أو على الرقيمات أو الرقوق أو الصحائف، حاول أن يتعامل مع التاريخ ويسطر الأحداث بشفافية وصدق، فألفت بعض الأساطير والقصص والروايات والأشعار الملحمية، فسجلت لنفسها مكانة في المشترك من السرد القصصي والشعري المدون وتناقله الأجيال تلو الأجيال، فيما ذهبت الآخرون إلى تزريف الوقائع إدراج الرياح والإهمال والنسيان، فلا عجب أن تبقى بعض الأساطير والقصص والسير مثل العنقاء تحترق وتولد برمادها عبر الزمن، متجددة مسافرة بالحياة.
وتأسيسًا على هذا الفهم، تستحضر رواية «أحفاد أورشليم» حكايات تدلف بكل أناة إلى أحداث قرية في شمال وطني العراق، أيام الحرب العالمية الأولى، التي اكتوى بنيرانها أبناء العراق والشام ولبنان وسواها، حين سيق أولادها وشبابها، رجالها وكهولها ليكونوا حطبًا لنيران حرب ضروس استمرت لأربعة أعوام، والتي أطلق على هذه المأساة الشنيعة (السفر برلك) أي (السفر برًا)، وتحول عبر ذاكرة شيخ في نهاية الثمانينيات تفاصيل تلك الأيام الممزوجة بالخوف والفجيعة والموت، بصيغة جامعة هادئة في شمال وطني العراق آنذاك، بعد أن اقتطعته من جسد الدولة العثمانية وورثه لاحقًا الاحتلال البريطاني عقب الحرب التي تكالبت بمعاهدتي سايكس–بيكو وسان ريمو اللتين رختا بموجب تفاصيلهما لبلادنا تحت نير الانتداب والاحتلال.
وتتخذ أحداث الرواية التي لم تلتزم في كتابتها بالطرق الكلاسيكية السردية (البداية، الذروة، الخاتمة)، بل إنشائها بطريقة من يقوم بوضع كرة من خيوط مبعثرة في علبة، ثم يسحب الخيوط رويدًا رويدًا، حتى تتشكل بالتالي معالم طرفي الخيط، وحاولت في نحت لغتها أن تزاوج بين اللغة المعاصرة بكل إرهاصاتها وبنيتها التركيبية المعقدة، وبين طريقة (الحكواتي) وكنه الأسطورة، جامعًا القارئ أفقيًا عمقيًا في فضاء مفخخ بالذاكرة، وبذلك – روائيًا – لم أقطع مع المتلقي سبل التلاقي والتسامّي.
«أحفاد أورشليم»، ذاكرة زمن، ما زال حيًا في وجدان شعب حي.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.