حقّ الرجل في زوجة ثانية، وحقّ المرأة في الرفض أو القبول، هو ما تطرحه الكاتبة السعودية أريج الطيب مجالاً للنقاش في روايتها الجديدة «حيرة»، ليشكّل العمل إضافة متميزة على طريق الإبداع الروائي النسوي في الخليج العربي، ويثبت جدارة المرأة الكاتبة في هذا المجال، ويضع القارئ العربي أمام نص روائي جاد يتمتع بواقعية اجتماعية نقدية ينهل من تجارب الحياة ويذهب إلى حدّ كبير في تعرية البنية التقليدية للمجتمع العربي.
وفي الرواية تعالج الكاتبة الطيب موضوع التعدد من خلال النص الديني ومن آليات تفسيره في المجتمع العربي والإسلامي، فتتوجه إلى المجتمع بالقول: «هاهم في قضية التعدد هو قول الله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)»، وهم في مشاكلنا نقطع من الشرع ما يوافق رغباتنا وتوجهاتنا، حتى إذا استدعى موقف استطعنا أن نلبسه ثوب الشرع. وهكذا وجدت نفسها «سعد» ــ وهي إحدى بطلات الرواية ــ على هامش المجتمع بقرار الزواج من امرأة ثانية، لأنها مخالفة للشرع لصدور ذلك القرار عنها: «إذا طلبت الطلاق بسبب زواج زوجك إنك تؤذين وعليك ذنب». هذا ما كان عليه موقف أبيها أحمد في محاولة لثنيها عن الانفصال عن زوجها، «في نظر المجتمع أصبحت سيئة، لمجرد أني طلبت الانفصال من سعد لأنه تزوج، والزواج بأخرى لم يعد سبباً منطقياً لطلب الطلاق. يتزوج الرجل امرأة ويعيش سنين وسنين ثم يتزوج بأخرى ثانية بعد أن أفنى العمر زوجته وأولاده».
في الخطاب الروائي تطرح الكاتبة العديد من القضايا المتعلقة بالعلاقة الزوجية، منها نجاح المرأة في الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية، وعدم تقبل بعض الأزواج لهذا الواقع. «كثيرة هي التصادمات بيننا، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنجاحاتي والتي شعرت بها في النص»، وقد قالت لها مراراً وتكراراً: أكره نجاحك لأنه يذكرني بفشلي، لم يكن سعد فاشلاً ولكنه كان رجلاً ذا طموح محدود. على جانب آخر، تعيش زوجته ريم حياة منغلقة لأطفالها تقطعه في صحبه وخطبه وتسير بها الحياة كما يحلو له… وعلى جانب آخر تضيء الكاتبة مساءلة غاية في الأهمية هي «بداية العمر» وحاجة النساء إلى أزواجهن في العمر الحساس لهن، والتي مردّها إلى القول بعدم حق الجميع في السعادة الزوجية، ولا وجود لزواج عن حب والعشق لبعض حياة وتظل تقاوم مشاعرها وأفكارها، ولعل من خلال هذا النقض تتصدى الكاتبة عبر الرواية إلى أن المرأة في جميع أعمارها، نختزل كونها «أم، الزوجة، الجدة». ومن هنا كان اشتغال الكاتبة على هذا النبض الذي يجسد التحول في شخصية وحياة البطلة في مساراتها المختلفة.
ومن هنا أيضاً يمكن القول إن عالم النص هو النسيج الذي تتعرى فيه الذات الأنثوية وتتشكل كما في الحياة، مذكرة بقول الكاتب المسرحي جورج برنارد شو «المرأة ليست لعبة الرجل»، ما يعني أن المرأة لا يمكن احتجازها في قيود المكان والظهور العام لهذا المجتمع أو ذاك. هذا ما تقوله رواية «حيرة»، في خطاب روائي يطرح بجرأة على جملة من المسائل (الأفكار السائدة، سلطة الأعراف والتقاليد، سلطة النصوص الشرعية والقانونية، الزواج المتعدد، الطلاق…) وهي يجعلها من الموضوعات الملحة والمثيرة في الخطاب الروائي المعاصر في بلادنا العربية.
وأما عن الأسلوب في الرواية فهو يتباين وفق مستويات عدة، وكان أغلبه بصيغة التكلم والمونولوج الداخلي وتداعي الخواطر والحوار، ويتسم بالسلاسة والوضوح، ويظهر فيه كماً كبيراً من ثقافة التحليل النفسي الذي يعكس ثقافة الكاتبة وتجربتها في المجتمع الذي تعيش فيه، فهي تقوم على تحليل نفسي يتوضح من خلال الشكل في جعل الحدث السردي/الحواري ومن خلال المضمون الذي يظهر فيه الكثير من تحليل التصرفات الإنسانية ونواياها، وكذلك بتكامله بين الشكل الحكائي والخطابي، فتكشف حالة عامة ما تزال تلازم المجتمع العربي بين من يريد تغييرها وبين من يرفضها. وبهذا اكتسبت قدراً كبيراً من الإبداع الروائي النسوي فاستحقت القراءة.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.