عندما تبدأ بقراءة «ديجافو» تشعر لأول وهلة أنك ستستمع إلى شهرزاد وكلاهما المباح غير أنك لا تلبث أن تدرك أنك أمام امرأة من هذا الزمن، امرأة مسيرة من حروفها، من ثورتها، من ضجيجها وسكونها، امرأة الأضداد واللغة الصامتة، لذلك فهي بوجهها الطفلي تمارس سحرها عليك، بل تمكنك من التوغل إلى أعماقك، ستقبلها لا محالة كصديق أنت أو قصة هذه أو هذا من أبناء هذا الكون الواسع. ذلك أن قصص الحب تشبه بعضها البعض، حب، إخلاص، أو خيانة، غير أن رواية سلمى الجابري رواية عن الحب حدّ التملك، حد الغيرة، والثورة، والكبرياء، بل الانصهار عشقاً، والتخلي جنوناً.
و«ديجافو» هي رواية عن المرأة ومنها، عن المرأة الكاتبة كيف تروي ذاتها بنصوص هي أقرب إلى أغاني «السوناتا» الرائقة بما تحيل عليه معانيها من دلالات ومعانٍ. فهي بقدر ما تضم بين خطوطها مشاعر الرومانسية بقدر ما تضم نوعاً من الحزن الشفيف أو أنها تجمع بين الشعورين معاً في نفس الوقت. تقول الكاتبة على لسان الساردة: «كنت بحاجة لأن أبعث من جديد على هيئة كتاب، على هيئة رائحة أحرف ذاكرة وشخوص هرمة، بحاجة لأن أصل إلى هذه المرحلة المرصودة من الكتابة أن أكتبني قبل النهاية، وبعدما أن أعيد أخته وأصافح بيوتي بداخلي، وأنسى، وكان الدواء الأخير، أن كان أثراً لماضٍ، وحاضري لا أعرفه بعد، أخاف أن أخلف آخرين من تمة مكان آخر، أجرح لأول مرة الحياة من ذاكرتها، ولا قيود، كما ابتسمت أمام وجود لا أعرف مدى صلة قرابتها لي، كما تعلمت بلغتي أخذت جهداً حتى أتمرن على النطق بها، وكما سرت بأولى خطواتي نحو مستقبل أجهله، لذلك كيف لنا أن نبحث الحزن من مرافق الحنين، ونحن ما زلنا نتلو للاشتياق…».
في الخطاب الروائي تمارس الكاتبة «سلطة الكلام» كحديثها الغنائية/الحاضرة شهرزاد وكأنها تريد كبح جموح شهريار وسطوته عليها، غير أن ما يجمع بينها وبين شهرزاد هو الأنوثة وممارسة فعل الروي، أما ما يفرقها هو أن شهرزاد شخصية متخيلة غائبة، أما شخصيتها فهي حقيقة حاضرة، وما بين الأسى واليوم تسلل حكايات الحب تتكرر، ولكن عندما ننصت ممن يتفنون في الروي وفن السرد تكون القراءة علاجاً شافياً، إذ أنها تصور عمق الضعف الإنساني، وانتفاضات النفس، وخلخلة الأنا المتمركزة حول ذواتنا وكل ذلك بكثافة سردية، تثير العقل والوجدان، هي في شكلها ومضمونها تحيل على حالات حياتية واقعية، وتتعامل مع عوالم تخيلية تتبع للذات الكاتبة، في تعبيرها عما يدور في أعماقها وما يختلج في وجدانها وهو ما سوف يلمسه القارئ ويمنحه شهية للقراءة أكثر.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.