قراءتها مرة ثانية، على نار هادئة، وبذات الفعل أستمتع بها، وبشخوصها الكثيرين، وأتابع سير الأحداث، بلهفة وشوق افتقدتهما منذ أمد بعيد عندما أقرأ قصة أو رواية. فالشخوص في الكتاب قريبون منا، وجزء من حياتنا، عرفنا من نماذجهم الكثيرين. فالهجرة من أجل العمل إما بسبب الوضع خارج البلد الأصلي، أو بسبب الإغراء في البلد المقصود أو الوطن الثاني، أو الاثنين معًا، هي جزء أساسي مما شكل حياة أعداد هائلة في الدول المحيطة بالجزيرة العربية، وشمل بطبيعة الحال سكان العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر ودول المغرب العربي. ومن يأتي القصة كناية عن الأساتذة الذين يجتهدون في شاحناتهم وهم قاصدوا العمل عن طريق التغريب.
والموضوع الآخر الذي يشكل بطلًا آخر للقصة هو تلك المقاومة الصلبة والجلد يشعلها حاملاً عود ثقاب كما النار، ولكن هباءً على تطفئتها.
وأما الموضوع الثالث الذي يتناوله رائد في قصته الرصينة الحكيمة، هي تلك النظرة من فوق برج لالتقاط صورة عامة لهذا المخلوق العجيب الذي نسميه بالوطن العربي. هل هو حقيقة ماثلة؟ أم هو أكذوبة؟ هل هو بناء هش يتساقط أمام أي ضغط خارجي يقع عليه؟ كثيرة تفتح أعيننا على مدى قوة هذا المشروع وهشاشته؟
ويمر رائد على مشروعات الوحدة في فلسطين مثلًا، ويأخذ عددًا من النماذج لآناس غادروا أوطانهم من فلسطين والأردن ولبنان، ليعملوا في أقطار الخليج والكويت، ويأخذ قصة واحدة منهم، على حدة. ويصور كيف أن المهاجرين في بلد الفرص المتاحة “الكويت”، فرصة سانحة تنتقلهم من الرتاشة إلى الضخمة، ومن شظف العيش إلى هناءه، ومن الفقر الشامل إلى البحبوحة وسعة العيش.
وهو يسعى لتصوير هذه النماذج على أنها كاملة أو حالمة، بل هم أشخاص يستثمرون صفاتهم ومهاراتهم وحتى نجاحاتهم في تحقيق منافعهم، ولكن رائد يأخذ هذه النماذج التي وضعها الواقع، ويراها قصة كبرى يمكن الوصول إليها تحت احتلال الكويت، وتجارب تعيش بين السطور. فلا هم أنقياء طريقهم، ولا هم وحوش نفسهم، بين النقيضين فوق نجاحاتهم حتى يتجسدوا جزءًا من النموذج التعددي الجميل للكويت، حيث يعيش الناس معًا في أمن وسلام، تجمعهم في الأساس المصالح المشتركة، وعواطف محدودة يفرضها عليهم جلدهم.
لماذا كل هذا التشظي؟
وقد شاهدت أحداثه على الشاشات، وطوى الألم الزمان أو كاد. قد أنسى الأندلس وصغيرها عبد الله، لكن الحسرة تسللتني كلما عجزت عن تلاشي اندثار وضياع اللغة في إثرائها. ربما أكون مصيبًا أو مخطئًا حين أفتح ذاكرة الأندلس الجديدة كما رآها ذلك الخير من أن أكون صامتًا، فرخ من ذلك بلباسه اللغوي فدادًا!
ربما تظل أبطال الرواية، الذين عاشوا تلك الفترة وأبناؤهم والملايين الآخرين ممن أثّروا وتأثروا بكارثة آب 1990، في الأمل بالمستقبل قادمًا، وأن الحب لا يتحول إلى كراهية مهما قست الأحداث أو طغت. وربما نبتت الذكرى أن الشر يقابله دائمًا خير، وأن الليل يعقبه نهار يجلو ظلمته…
وربما والأهم أن السرد عاد حكرًا على العامة المضطهدين من أبناء وطننا العظيم، فقد شاركنا اللجوء إليه بعض من صورهم.
سرديًا، رواية تتوزع بلا رتوش أحداث أصعب منطقة مرت بها أمتنا بنفس الروح الغريبة التي سادت وقتئذ. إن التاريخ يفرض نفسه دائمًا حين يبتسم الآخرون.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.