يصدر كتاب «الكردي المخذول» لكوردي ده سنته وكوكرى في ظل واقع سياسي مأزوم تعيشه القضية الكردية اليوم. ومن هذا المنطلق، قدّم الكاتب والإعلامي اللبناني فؤاد مطر مقاربة تحليلية نقدية تواكب موضوع الكتاب، مستندًا إلى معطيات متشابكة من المشهدين السياسيين الإقليمي والدولي، بهدف تعميق الفهم الموضوعي للحقائق السياسية التي واجهها إقليم كردستان العراق، ولا سيما محطة الاستفتاء التي صوّت فيها 92% بـ«نعم» من بين 68% من الناخبين في جلسة 25 سبتمبر/أيلول 2017، وهي خطوة اتخذها رئيس الإقليم آنذاك مسعود بارزاني، واستتبعتها نتائج شجّعت على إعلان الإقليم دولة مستقلة.
ويرى فؤاد مطر أن هذا التوجه، رغم حدّته السياسية، ليس جديدًا، لكنه جاء الإعلان عنه في لحظة كان العراق يرزح فيها تحت صراعات سياسية ومذهبية، وأوضاع أمنية غير مستقرة، إلى جانب صعود تنظيم «داعش» الذي خلّف دمارًا واسعًا ومكّن تدخل قوى إقليمية ودولية، ما أضعف الحكومة المركزية في بغداد. وفي هذا السياق، يشخّص الكاتب الوضع الكردي تشخيصًا عميقًا، متتبعًا تفاعلات السياسة الخارجية والداخلية، ومستندًا إلى وقائع تاريخية عاشها الأكراد ولم تغب عن الذاكرة الجماعية.
ويؤكد مطر أن القضية الكردية حافظت على حضورها في الوعي العام بفعل عمقها التاريخي وتكرار محاولات طمسها. ويرى أن رواية كبار القوم، كما يقدّمها الكتاب، تعكس مسيرة شعب لم يفقد إيمانه بحقه، رغم الخذلان المتكرر. ويستشهد في هذا السياق بقول منسوب إلى النبي محمد ﷺ: «لا تصبروا على الظلم فيقوى، ولا تهزموا سريعًا فتضعفوا»، في إشارة إلى التمسك بالعدل ورفض الاستسلام.
ويشير الكتاب إلى أن إخراج «الكردي المخذول» إلى النور يمثل إدانة متواصلة لمسلسل الوعود المنكوصة، من الوعود بإطلاق السجناء، إلى إطلاق سراح الإرادة، وصولًا إلى الإحباطات التي بددت الآمال وأدخلت القضية في متاهة سياسية مزمنة. ويؤكد مطر أن صمت العالم، أو تواطؤه، أسهم في تحويل الأزمات إلى واقع دائم، دون محاسبة حقيقية.
كما يوضح أن الأكراد، منذ تأسيسهم السياسي الحديث، واجهوا هزائم وانتكاسات، وعمليات قمع واضطهاد قاسية، غير أنهم كانوا في كل مرة ينهضون من جديد، خصوصًا في العراق، رغم عمق الجراح. وينقل الكاتب قناعة مفادها أن الأكراد لم يبلغوا بعد «خاتمة المطاف»، وأن ما يبدو نكسات قد يشكّل مقدمة لتحولات جديدة.
ويمتاز الكتاب بمحاولة توثيق الأحداث عبر تسجيل عدد كبير من شهادات الصوت والصورة، حيث يظهر أبطال الرواية أحياء بين عالم من الخذلان، وإرادة صلبة، وصبر ممتد على الظلم وسوء التقدير. وفي مجملها، تقدم هذه القراءة رؤية مركبة لقضية لم تُحسم بعد، لكنها ترفض أن تُنسى.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.