في كتابه «صدام حسين: الجمهورية الخامسة»، يتناول عبد الرحمن مظاهر الهاشمي عددًا من الجوانب الإشكالية في شخصية صدام حسين، انطلاقًا من موقع الشاهد الذي عايش الأحداث وشارك في بعضها، وهو ما يمنح السرد بعدًا تفسيريًا يتجاوز التوثيق البارد نحو محاولة فهم المسارات والخيارات التي قادت إلى ما آل إليه مصير العراق. وينطلق المؤلف من فرضية أن ما جرى لم يكن وليد لحظة طارئة، بل نتاج مشروع سياسي متكامل، سعى—بحسب تصوره—إلى إعادة تشكيل العراق وإدخاله العصر الحديث، وإن كان ذلك عبر مسارات قاسية ومكلفة.
ويركّز الكتاب على إشكالية المحور الشخصي في تفسير التاريخ السياسي العراقي، حيث لا يغفل المؤلف الإشارة إلى أن صدام حسين لم يكن فاعلًا منفردًا في إدارة السلطة، بل كان محاطًا بشبكة معقّدة من القيادات الحزبية والعشائرية والأمنية، ولا سيما من حزب البعث وأجهزة الدولة السرية، وهي بنية حكم تركت بصماتها العميقة على طبيعة القرار السياسي والعسكري في تلك المرحلة. كما يوضح أن الخلفية العشائرية والاجتماعية للنظام لعبت دورًا مهمًا في هندسة آليات الحكم وإدارته.
ويشير المؤلف إلى محاولته الموازنة بين السيرة الشخصية الطويلة والمعقّدة لصدام حسين، وبين التحولات السياسية الكبرى التي شهدها العراق منذ ستينيات القرن الماضي، في إطار رحلة تحليلية تبدأ من الانخراط المبكر في حزب البعث، مرورًا بالصعود المتدرّج إلى قمة السلطة، وصولًا إلى لحظة السقوط. ويؤكد أن صدام مثّل حالة فريدة في تاريخ العراق الحديث، إذ لم يكن مجرد حاكم عابر، بل شخصية تركت أثرًا عميقًا في بنية الدولة والمجتمع ومسار الإقليم.
وتتسم المقدمة العامة للكتاب بطابع «المحاكمة التاريخية والسياسية»، حيث يستعرض المؤلف السياق الذي صعد فيه صدام إلى السلطة، وما تخلله من تحولات أمنية وعسكرية وسياسية، وصولًا إلى الانهيار الشامل للنظام والدولة، ودخول العراق في دوامة عنف واضطراب غير مسبوقة. وفي هذا الإطار، لا يسعى الكاتب إلى تبرئة النظام أو تجريمه بصورة قطعية، بقدر ما يهدف إلى تحليل تراكمي للنجاحات والإخفاقات، واستكشاف منطق الحكم الذي ساد تلك المرحلة.
ويقدّم الكتاب قراءة نقدية لنهايات حكم صدام حسين، مبرزًا مظاهر عودته المؤقتة إلى السيطرة في لحظات مفصلية، وتمسكه بالسلطة حتى لحظة الاعتقال ثم الإعدام، في مواجهة اعتُبرت—بحسب المؤلف—غير متكافئة من حيث القوة والإمكانات. ويخلص إلى أن هذه النهاية شكّلت ذروة مسار سياسي اتّسم بالتصادم الدائم مع الداخل والخارج، وانتهى بما يشبه «خطة موت ثابتة» لم يتمكن النظام من الفكاك منها.
وفي خاتمته، يؤكد المؤلف أن «صدام حسين: الجمهورية الخامسة» ليس كتابًا تبريريًا ولا سيرة تمجيدية، بل وثيقة سياسية وتحليلية ذات قيمة عالية، تكشف الكثير من زوايا السياسة العراقية الداخلية والخارجية منذ عام 1963 وحتى عام 2003. ويحتوي الكتاب على كمّ كبير من المعلومات والشهادات والصور التي تضيف بعدًا توثيقيًا مهمًا، ما يجعله مرجعًا لا غنى عنه للباحثين في تاريخ العراق الحديث وتحولات الحكم والسلطة فيه.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.