إن تداخل العلوم والتركيب بينها سمة الأعمال الإبداعية المعاصرة، ولذلك تكشف رواية «آخر أمراض الكوكب» للكاتب حميد يونس عن تنوّع في البناء الروائي وتحولات في عالم السرد وتجديد من حيث الفكرة والمضمون، وأولى خطوات التجديد هي استحضار المتلقي داخل النص الروائي والاحتفاء به ومحاورته في موضوع جريء هو انتقال الروح من جسد إلى آخر.
تسرد رواية «آخر أمراض الكوكب» قصة «علي معن» الرجل الذي عاش حياته على درجة كبيرة من البساطة، إلا أن ذلك اليوم الذي استيقظ فيه منتصف الليل لم يكن عادياً لأسرته، إذ إن علي يصرّح بكلمات غير مفهومة لزوجته: «جيكا أودي إيبايه، جيكا أودي إيبايه!»، لقد أصبح عليّة الشخص العراقي «بالغ بن – سوات» الكوري الشمالي، وقد أدرك بان جن أخيراً تغيّره وتحوله إلى شخص آخر، وأصبحت حقيقة مجردة لا جدال حولها، وإن كان وعيه وإدراكه وتجاربه وذكرياته لا تزال هي هي، لم يطرأ عليها أي تغيير فيما عدا كونه في جسد ليس جسده بالتأكيد، أو الأصح أن بن سوات هو الذي كان متسلطاً على جسد لا ينتمي إليه.
ضمن هذا الفضاء تنتقل الرواية لعرض حالات أخرى، منها شخصية «فرانسوا بوديسة» الذي يخوض تجربة فريدة من نوعها في «أوروبا الشرقية» وانتقاله من فرنسا إلى جنوب شرق آسيا ثم يعود إلى فرنسا بعد أن حلَّ «سالم» «مكان» إمارة ولاية أعالي النيل جنوب السودان، وتكاد تكون هذه التجربة هي أغرب تجربة حدثت كي تصل إلى كوريا الشمالية ليحلَّ جسد «علي معن» في بغداد وسط العراق، أما للسيدة «كلير ميسون» ذات الخمسين عاماً، فهي ذات سياق إنساني بدأت تتحدث كأنها شخص ترعرع في القارة الأوروبية، لقد ذهبت إلى سريرها أمريكية واستيقظت إيطالية واسمها «أرورا كولاي»، وقد أعلن الأطباء في مركز «بو آس ريفس» للعلوم العصبية في ساكرامنتو أن ما تعانيه «ميسون» يعد حالة طبية نادرة جداً.
إلى ذلك تتطرق الرواية إلى الأفلام التي عالجت هذه الظاهرة في محاولة لإيجاد تفسير ملموس لحالة «إيريك س. هورويتز»، بطل الفيلم الوثائقي المثير للجدل «الرجل الذي تحوّل إلى جنوب سوداني». وغير بعيد عن هذه تتطرق الرواية إلى احتواء «منظمة الصحة العالمية» لظاهرة «إيرياي سندرم» التي تثير الشكوك ورسم خطة تأهب مدروسة وشاملة لاحتواء الظاهرة في حال أثبتت حقيقة وجودها.
وأخيراً هل يلتقي «علي العراقي» و«جن الكوري الشمالي» على أرض الواقع؟ وهل سيستمران معاً في رحلة الانتقال؟ وهل سيجمع الرواية بين مشاهد مأساوية وصورة نمطية جديدة تعيد تفسير آخر أمراض الكوكب؟
يقول الكاتب حميد يونس في هذه الرواية: «آمن أن البشرية تنقسم إلى اثنين: كوكبيون رافضون، ومصابون وغير مصابين، ذوو لحوم ودم وأجساد ذوي قلوب من حجر، ألم نلاحظ كيف اختفت الدهشة والغرور والاستغراب في تعامل الجميع مع المتناقضين؟ وكيف ذاب المتناقضون في الجميع؟ بل كيف أصبح الجميع متناقضين؟ يستثني من ذلك الرافضون ومن لفّ لفهم، كل بأساليبهم الذهنية ووسائلهم الخبيثة. وهنا يمكنك أن تؤكد لك، دون الحاجة إلى اللف والدوران، أن هؤلاء المتعصبين والرافضين والناكرين والنقّاد هم الذين يعانون من المرض الكوني لا المرض أنفسهم، ويبقى الأمر أمامك أنت لتجد الجواب: من الذي يعاني برأيك من آخر أمراض الكوكب؟»




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.