يتضمن هذا الكتاب مجموع الدراسات والعروض التي قُدِّمت خلال الندوة الأولى لمركز الجزيرة للدراسات تحت عنوان:
“الإسلام والغرب: نحو عالم أفضل”، والتي نُظِّمت من 26 إلى 28 مايو 2006، بالدوحة، عاصمة قطر. والكتاب هو ثمرة سؤال طُرح على أكثر من عشرين باحثًا من العالمين العربي والغربي، ومدار هذا السؤال – كما يظهر ذلك من العنوان الذي اختير للندوة – كان حول سبل تحقيق عالم أفضل ينعم فيه المسلمون والغربيون على السواء بأساليب العيش الكريم والطمأنينة والسلم والأمان.
وسيلاحظ قارئ الكتاب أن هذا السؤال، على ظاهر بساطته، أو جاذبيته، أعمق بكثير مما يتصور أول الأمر، والدليل على عمقه اجتماع ذلك العدد من الباحثين المرموقين حوله واجتهادهم في الإجابة عليه.
لم يأتِ الباحثون المشاركون في المنتدى من جنسيات وبلدان مختلفة فحسب، بل جاءوا أيضًا من تخصصات مختلفة، فجعل كل واحد منهم ينطلق من خريطة ذهنية معيّنة وخلفية علمية يقترب من السؤال حتى إذا أمكن، يسهم بإجابته ويفكك مقولاته، ليرتقي صوت البحث أو الفكر منه إلى أبعاد أخرى لم يكن ليفكر فيها من منطلقه العلمي والثقافي والحضاري. باختصار، تكمن قيمة هذا الكتاب التي يقدمها بين يدي القارئ في تعدد مشارب المساهمين فيه، بالدرجة الأولى، فهم فضلاً عن اختلاف مرجعياتهم الحضارية والثقافية والدينية وانتماءاتهم القومية ومواقعهم السياسية، يتميزون كذلك بتنوع اختصاصاتهم العلمية وتجاربهم ووظائفهم، حيث يجمع بينهم السياسي والإعلامي، والمحلل، والأكاديمي، ورجل الأعمال. وسيلاحظ قارئ الكتاب هذا التنوع في “المقاربة”، إذ لم يغِب عن التفكير وعمق النظر في سؤال العلاقة بين الإسلام والغرب، فلا أقل من تنوع قد يؤدي إلى خطر الاختزال بالنظر إلى الأشياء من زاوية نظر واحدة.
لا يخفى ما لسؤال العلاقة بين الإسلام والغرب من أهمية في هذه المرحلة من مراحل التاريخ، خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ إذ إن هذه الأحداث ساهمت في تعميق هوة الخلاف بين الحضارتين الإسلامية والغربية تحديدًا، وفي إمداد نظريات الصراع الحضاري والصدام الثقافي عمومًا برافد الشرعية وإضفاء صبغة العلمية عليها. وإذا كانت الجماهير قبل هذه الأحداث تتساءل عن مدى صحة القول بحتمية الصدام بين الحضارات، فإن هذه الجماهير نفسها، خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية، انتقلت بعد الأحداث إلى طرح سؤال آخر مضمونه: “لماذا يكرهوننا؟”. وفي هذا الانتقال ما يشير على أن نظرية الصراع أحكمت طوقها حول العقل، إذ لم تعد محل تشكيك أو مساءلة، بل صارت مرجعية معتمدة في إنتاج أسئلة جديدة. ومع هذه الأسئلة الجديدة المتفرعة من سؤال الصدام والصراع، يبدو أننا أكثر من أي وقت مضى مائلون إلى الاشتغال بما اصطلح عليه أحد الباحثين بـ”الثانوية الجديدة”، والمؤلفة مما سماه باحث آخر لعبة “الهويات القاتلة”، مع هذا المنطق وهذه اللعبة يخفى على الإنسان عيب نفسه كما تخفى عليه محاسن غيره، فيتمادى في ذم الآخر حتى يجرّده من إنسانيته، كما لا يقتصد في مدح نفسه حتى يبرّئها من الخطأ والنقص الإنسانيين.






المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.