يوثّق الكاتب البوسني فاروق شهيتش في روايته «الهادئون» فصولًا دامية من أهوال الحرب الأهلية في البوسنة، التي اندلعت في تسعينيات القرن الماضي، وما رافقها من انتهاكات بحق الإنسان والبشرية جمعاء. ومنذ السطور الأولى، يعلن الكاتب موقفه بوضوح قائلًا: «لا مجال هنا للإنسانية أو للقصص، هذا ما اعتقدناه حينها».
يسرد شهيتش كيف انهار جدار بيته عام 1989 تحت وقع القذائف، ليفتح النص على تأمل عميق في فكرة الصراع من أجل البقاء، حيث تتعدد أشكال الهجمات، ويغدو التمسك بالحياة فعل مقاومة يومي. يصوّر الكاتب تطويق المدن من قبل قوات معادية، وتحوّل البشر إلى أهداف، واستباحة المعنى الإنساني ذاته.
لا يتردد شهيتش في الإشارة إلى أن هذه المأساة كانت أول حرب تُسمّى «حربًا إنسانية»، في مفارقة قاسية تكشف زيف الخطاب السياسي العالمي، خصوصًا في أوساط صُنّاع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا. ومن خلال تتبعه لتجربته الشخصية، يروي كيف انخرط في العمل الإعلامي والعسكري، متنقلًا بين المواقع، وجامعًا الشهادات، محاولًا الإمساك بالحقيقة وسط فوضى الدم.
يعرض الكاتب تفاصيل دقيقة عن التقارير العسكرية، وعن الأرقام التي بدت في ظاهرها مجرد إحصاءات، لكنها كانت تخفي وراءها مصائر بشر، وأسماء، وأجسادًا. كما يتوقف عند حوادث سقوط المدن، لا سيما سقوط سربرنيتسا، مقدّمًا إياه بوصفه هزيمة عسكرية وأخلاقية في آنٍ واحد، لا باعتباره مجرد حدث عابر في سجل الحرب.
في هذا السياق، يؤكد شهيتش أن كتابة الحرب ليست ترفًا أدبيًا، بل ضرورة أخلاقية. فهذه النصوص، برأيه، يجب أن تكون عميقة، قاسية، وصادقة، لأن الحرب ليست تجربة عابرة أو «صداعًا» يزول، بل أثر طويل الأمد يلازم الضحايا والناجين لسنوات. لذلك، يرى أن تسجيل هذه التجارب واجب، حتى لا تُطمس حياة من عاشوا الجحيم، ولا تُختزل مآسيهم في أرقام باردة.
هكذا تأتي رواية «الهادئون» شهادة إنسانية وأدبية في آن واحد، ترصد انهيار الإنسان وسط الحرب، وتحاول إنقاذ ما تبقى من الذاكرة، حتى تظل الحقيقة حاضرة، مهما طال الصمت.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.