يقدم الكاتب في هذا البحث الشامل والوافي، وبعد دراسته للعالم الصوفي والتصوف، عملاً جديرًا بالاهتمام والتقدير، وقراءة متماسكة للجانب الصوفي في نتاج الشاعر الكبير أدونيس الذي اختاره كمرجعية، ليس من منطلق تجربته الشعرية ونزوعه الإبداعي، بل من خلال صورته النقدية وعالمه النقدي، الذي شكّل «المكان النظري المتشعب» الذي انطلق منه في بناء موقفه الخاص من الصوفية، وكيف فهمها واشتغل عليها تنظيرًا وتفكيرًا ومساءلة… بالرغم أن ثمة صعوبة في التمييز بين الناقد في أدونيس والشاعر.
مقدمة الحديث عن أدونيس الشاعر والناقد، وموقفه من الربط بين الحداثة والصوفية، جعل من الفصل الأول مدارات بحث في مجال التصوف كفكرة ومنشأ وتاريخ ولبّ، وفي العلاقة التي تربط بين التصوف والشعر في الثقافة العربية الإسلامية، وفي الفرق بين الشعر الصوفي والصوفية الشعرية، يعود إلى الربط بين أدونيس ومرجعية التصوف، مبرزًا تقاطعات مختلفة بين التصوف والدين والشعر، وبين التصوف والسريالية التي هي «الشكل الأكثر تطرفًا في الحداثة»، ويطرح عدة مواضيع فلسفية من مفهوم اللاشعور والحلم، إلى «الصوفية السوداء»، وهي الربط بين الحب والعشق الإلهي، إلى مفهوم الرؤيا، واتصالها بالنبوة وبالشعر، وبشروحها الخاص لدى أدونيس، وشموليتها لتصبح رؤية كونية، نرتقي إلى وحدة الوجود وارتباطه بمفهوم الحقيقة ومعنى الكتابة التي يفضّل أنواعها، وأشكالها، ويبحث في مأزقها ومخارجها.
النص الذي يميز به أدونيس وعلاقته بالشعر الصوفي، يخصصه الكاتب بالفصل الأخير، باحثًا عن تأثره بالأسطورة وبالنصوص الدينية المقدسة وبالثقافة الغربية المعاصرة وغيرها. بل يعتبره «مقدمة قلقة لمزيد من الانشغال المعرفي بالمسائل والإشكالات التي طرحت على بساط البحث…». وهذا ما يبرهن على مدى جدية هذا الكتاب القيم في بحثه، أسئلة وتمحيصًا وتحليلًا.
نبذة الناشر:
لقد أثارت كتابات أدونيس النقدية ضعف ما أثاره شعره من نقاش، فتح بها آفاقًا واسعة وجديدة من حقول البحث والتفكير، مستقبلًا آخر ما يستجد في الغرب من أفكار ومناهج واتجاهات، بعقل منفتح لا يعرف الرهبة ولا يخرج من المساءلة، مع جرأة أدبية لا حدود لها، فكانت النتيجة أن كفّره البعض ولعنه وأخرجه من دائرة الدين. لكن أدونيس يمضي في طريقته غير حافل بذلك، إنه يقول ما يفكر فيه، وذلك امتيازه وتميّزه. فكثرون في أوطاننا المسكونة دوغمائيًا يقولون ما لا يفكرون فيه ويؤمنون به حقًا.
أدونيس أيضًا من أكثر الشعراء العرب ترجمة إلى اللغات الأجنبية، وأفكاره عن الحداثة والتراث شكّلت وعي أجيال كاملة. لقد اشتغل طيلة خمسين عامًا على التطوير والتجديد والاختلاف والثورة لا يكلّ ولا يملّ، في زمن عربي تكدّرت فيه الهزائم والمحن والانتكاسات، وامتزجت فيه الأحلام بالكوارث والمثالية بالواقعية، والآمال الكبرى بالخيبات المتتالية. ولا يمكن قراءة الحداثة العربية تاريخيًا وأنطولوجيًا دون الوقوف طويلًا أمام هذا الحضور الأدونيسي الطاغي والمؤثر.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.