يمثّل هذا الإصدار إسهامًا فكريًا مهمًا في نقاش السبل الكفيلة بإنهاء الصراعات المسلحة في العالم، من خلال مقاربة غير تقليدية تتمثل في الحوار مع الجماعات المسلحة. وينطلق الكتاب من خبرة عملية وفكرية لكبير مستشاري رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي يقدّم رؤية نقدية لطرائق التعامل مع جماعات متطرفة مثل تنظيم داعش، مستندًا إلى سجلّ تجارب دولية مقارنة.
يعرض المؤلف موقفًا واضحًا مؤدّاه أن التاريخ السياسي والأمني الحديث يُظهر محدودية الحلول العسكرية الخالصة، حتى وإن تكررت محاولاتها بأشكال مختلفة. وفي هذا السياق، يستدعي تجارب التفاوض البريطانية مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، بوصفها حالة مرجعية، إلى جانب نماذج أخرى من أميركا اللاتينية وآسيا (كأفغانستان)، وتجارب حكومات تعاملت مع جماعات متمردة أو أيديولوجية مسلحة. ويخلص إلى أن فقدان الذاكرة المؤسسية لدى الحكومات في ملفات “الإرهاب” يقود غالبًا إلى إعادة إنتاج المقاربات الفاشلة ذاتها.
ويؤكد المؤلف أن العنف السياسي، بحكم طبيعته المركبة، لا يخضع لحل عسكري نهائي، وأن التعاطي معه بوصفه مشكلة أمنية صِرفة يفضي إلى إطالة أمد الصراع بدل إنهائه. ومن هنا، يتناول مفهوم «التفاوض مع السلاح» بوصفه مسارًا سياسيًا اضطراريًا، لا يعني بالضرورة الشرعنة، بل إدارة النزاع وتفكيك دوافعه ضمن شروط صارمة. ويبرز ما يسميه بـ«نهج التفاوض المُتأني»، الذي يوازن بين الضغط العسكري المحدود وفتح قنوات سياسية، باعتباره خيارًا واقعيًا حين تستعصي المقاربات الصِفرية.
وتكتسب أطروحات الكتاب قوة إضافية من خبرة المؤلف الدبلوماسية الواسعة، ومشاركته المباشرة في مسارات حوار متعددة، أسهمت في بناء مقاربات عملية تراعي السياقات المحلية، وتفرّق بين الفصائل، وتختبر قابلية التحول السياسي دون التسليم بالمطالب القصوى. وفي هذا الإطار، يشدد على أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بإلغاء القوة، بل بإرفاقها بمسار سياسي يمنح الصراع مخرجًا تفاوضيًا قابلًا للاستدامة.
ويختتم الكتاب باستخلاص دروس مقارنة من حالات نجاح وإخفاق في التفاوض مع الجماعات المسلحة، مشيرًا إلى أهمية تهيئة البيئات السياسية والمؤسسية، وبناء الثقة المرحلية، وضمانات التنفيذ. وتستند الدراسة إلى أمثلة ممتدة جغرافيًا—from كولومبيا وسريلانكا إلى فلسطين وجنوب أفريقيا—لتجيب عن سؤالين محوريين: لماذا يكون الحوار خيارًا عقلانيًا في بعض السياقات؟ وكيف يمكن تصميمه بما يخدم هدف إنهاء الصراع المسلح لا إعادة تدويره.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.