تبرز تركيا اليوم بوصفها حقيقة جغرافية وتاريخية وعسكرية جديدة في لحظة تاريخية تعاني فيها الدول العربية من المشرق إلى المغرب من أعمق أزماتها منذ الاستقلال، وهو ما خلّف فراغًا جيوسياسيًا واسعًا في المنطقة. وتتحرك تركيا، بشكل موضوعي، لملء هذا الفراغ مستندةً إلى اختلال توازن القوى القائم، وبروز القدرات الطرفية على حساب الدول المركزية العربية، فضلًا عن تغيّر قواعد الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي التعامل مع الدور التركي بوصفه طارئًا أو عابرًا، بل كحقيقة استراتيجية قائمة يجب استيعابها والتعامل معها بعقلانية سياسية.
ورغم تباين مواقف الدول العربية وتوزّعها بين معسكرات متقابلة، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا يتمثل في أن الدور الإقليمي التركي لم يعد مسألة تركية صِرفة، بل بات عاملًا مؤثرًا بعمق في معادلات التوازن الإقليمي وفي مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة. وبناءً على ذلك، فإن تعزيز المصالح العربية وتعظيم قدرة الدول العربية على ترتيب أولوياتها الوطنية والإقليمية يقتضي فهم الاستراتيجية التركية الجديدة بعمق، والانخراط معها من منطلق المصالح المشتركة لا من زوايا الصدام الآلي أو الرفض المسبق.
عمليًا، تتعامل غالبية الدول العربية مع الدور الإقليمي التركي ولسان حالها يختصر الموقف بعبارة واحدة: «تركيا عادت من جديد». ويأتي ذلك في سياق إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديدة، كما يناقشه الكتاب الصادر حديثًا للدكتورة عايدة علي سري الدين، حيث تتقاطع الأبعاد التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، لتشكّل إما فرصًا لبناء مصالح مشتركة، أو عوائق قد تحد من فاعلية الدور التركي في النظام الإقليمي الناشئ.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.