تتناول هذه الرواية للكاتبة التركية إيلف شافاق سيرة السلطانة خُرَّم، بوصفها واحدة من أكثر النساء تأثيرًا في التاريخ العثماني. فالصورة الشائعة عنها طالما انحصرت في الأحكام المسبقة التي رسمتها بوصفها المرأة القاسية المتعطشة للسلطة، غير أن الرواية تتعمد تفكيك هذه الصورة، متجاوزة السرديات التاريخية المؤكدة إلى الغوص في الأسباب والجذور التي صنعت مصيرها، وربما شوّهت صورتها.
لا تنطلق الرواية من محاولة تبرئة خُرَّم أو إدانتها، بل من تقديمها كامرأة تشبه سائر النساء؛ امرأة تهبّ في داخلها العواطف، وتتوزع بين الخوف والشغف. فمنذ طفولتها، لم يكن الطريق ممهّدًا لها: اختُطفت، واقتُلعت من عالمها الأول، لتُلقى في دوامة الفقد والقسوة والغربة. وبرغم أنها بدت خاضعة وصامتة، فإن صمتها كان استراتيجية للبقاء في عالم لا يمنح الضعفاء فرصة للاختيار.
تراقب الرواية التحولات النفسية والوجدانية التي تمر بها خُرَّم، وتظهر كيف تشكّل ذكاؤها وحدسها دفاعًا عن الذات، لا طموحًا أعمى للسلطة. فالحب، في عالم القصور والمؤامرات، لا يكون دائمًا خلاصًا، بل قد يتحول إلى عبء أخلاقي ومسؤولية قاسية. ومع ذلك، تجد خُرَّم نفسها مضطرة إلى حماية أبنائها، حتى وإن كان الثمن مواجهة أعداء لا يرحمون.
وتصرّ الرواية، على لسان مؤلفتها، على أنها ليست عملاً تاريخيًا بالمعنى التقليدي، بل نتاج خيال يستند إلى مرحلة تاريخية، ويقدّم قراءة بديلة للتاريخ الشعبي، قراءة تعيد الاعتبار للأصوات المهمّشة. فالشخصيات التاريخية هنا لا تُستعاد بوصفها أيقونات مكتملة، بل ككائنات بشرية تخوض صراعات داخلية بين الخوف والبقاء، وبين الحب والسلطة.
صحيح أن العمل يستند إلى مصادر ووثائق تاريخية متعددة، إلا أنه يوظفها لتفكيك السرد الرسمي، لا لتكراره. فطفولة خُرَّم، كما تصوّرها الرواية، ليست مجرد خلفية زمنية، بل مفتاح لفهم اختياراتها اللاحقة، وسلوكها الذي بدا لكثيرين لغزًا أو خطيئة.
في هذا العمل، تتقاطع السياسة بالعاطفة، والطموح بالألم، وتتحول حياة السلطانة إلى مرآة لأسئلة أوسع: ما معنى النفوذ؟ وأين تنتهي السلطة ويبدأ الثمن الإنساني؟ ومن هم حقًا صانعو التاريخ: المنتصرون الذين دوّنت أسماؤهم، أم أولئك الذين دفعتهم الظروف إلى أدوار لم يختاروها؟
بهذا المعنى، ليست الرواية دفاعًا عن خُرَّم ولا إدانة لها، بل محاولة لفهمها، وفهم التاريخ نفسه، بوصفه حكاية معقّدة تُروى دائمًا من زاوية واحدة، بينما تخفي في طيّاتها قصصًا أخرى لم تُحكَ بعد.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.