اعتمدت الخلافة العباسية منذ نشأتها على شعوب البلاد المفتوحة؛ فقد كانت هذه الشعوب عريقة في حضارتها، غنية في تراثها، وقد استطاعت هذه الشعوب أن تنصهر في البوتقة الإسلامية، وتنشئ حضارة متميزة هي خلاصة هذا الانصهار الحضاري والنمازج الثقافي والفكري، وقد وصلت إلى ذروتها في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد.
يسلط هذا الكتاب الضوء على حضارة المشرق الإسلامي في الفترة الآنفة الذكر، الحضارة التي تجلت في مجموعة إسهامات متنوعة، تناولت مختلف جوانب العلوم والآداب، ساهم فيها سكان بلاد المشرق الإسلامي بمختلف أجناسهم ودياناتهم ولقاتهم، فضلًا عن إسهاماتهم بحركة الترجمة والنقل من علوم الشعوب التي اتصلوا بها خلال الفتوحات الواسعة لبلاد الروم والفرس وغيرهم، وإذا عدنا إلى أوائل أيام الدعوة الإسلامية، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يمكن اعتبار بدايات الاتصال الثقافي تلك الرسائل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك وحكام الدول المجاورة، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وردود هؤلاء على رسائله، وكذلك العهود والمواثيق التي كتبها القادة المسلمون لسكان البلاد المفتوحة، والتي كانت تكتب باللغة العربية، وكانت تجد من يترجمها لهؤلاء الحكام والملوك.
يقول المؤلف الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن سعد آل سعود عن عمله هذا: “تناولت هذه الدراسة عددًا وافرًا من المواضيع الحضارية أو المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالحضارة الإسلامية في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد في بلاد المشرق الإسلامي، وهذه الحضارة التي كان في إسهامات رجالها فضل كبير في ازدهارها ونموها ونشرها، واستمرارها قرونًا طويلة رائدة الحضارة العالمية في الثقافة والفكر”.
لقد شارك علماء هذا القرن، وهم ينتمون إلى جنسيات عديدة، عربية وغير عربية، وديانات وملل، في هذا النسق الحضاري الذي كان الإسلام لحمته، وكانت اللغة العربية سداه، بحيث أصبح وصف هذه الحضارة بواحد من هذين المكونين عملية غير دقيقة، بل غير سليمة أيضًا.
ويتابع المؤلف: إن الحركة الفكرية بلغت أوجها في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، وكثر التأليف في العلوم الرياضية والفيزيائية والطبيعية وغيرها من العلوم إلى درجة كبيرة، وقد ساهم العلماء في تقدم الحياة عندما استفادوا من نتائج بحوثهم واكتشافاتهم، وأخضعوا التطبيق العملي، كل حسب اختصاصه، فكانوا روادًا في كثير من العلوم وتطبيقاتها، وقد أغنوا المكتبة التراثية بالكثير من المصنفات التي تشهد على طرأ فقههم وعمق معارفهم في ميادين العلوم كافة.
وبناءً على ذلك تأتي خطة المؤلف عمله بمدخل كُرِّس لدراسة الحضارة الإسلامية وأتبعه بقسمين جاء القسم الأول بعنوان: “العلوم الإنسانية في المشرق الإسلامي”، ويضم خمسة فصول: الفصل الأول: العلوم الدينية، والفصل الثاني: العلوم الفلسفية، والفصل الثالث: التاريخ والجغرافية، والفصل الرابع: اللغة والأدب، والفصل الخامس: الشعر في المشرق الإسلامي. والقسم الثاني بعنوان: “الإسهامات العلمية في المشرق الإسلامي”، ويضم ثلاثة فصول: الفصل الأول: العلوم الطبية، والفصل الثاني: العلوم الرياضية، والفصل الثالث: العلوم الطبيعية. وأخيرًا: خاتمة ورأي.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.