تُعدّ مجموعة «فاينت نافيوس» للكاتب الفيتنامي أوشن فونغ من أبرز الأعمال الأدبية المعاصرة، وقد نالت جائزة بوليتزر عام 2016 عن روايته «المتعاطف». تمتدّ هذه المجموعة عبر أكثر من عشرين سنة من الكتابة، وتدور أحداثها بين فيتنام والولايات المتحدة، مقدّمةً صورة إنسانية عميقة لتجارب الهجرة والاقتلاع والانقسام بين وطنين.
يرسم فونغ في هذه القصص حياة أشخاص يعيشون على التخوم: بين الوطن الأم والوطن البديل، بين اللغة الأولى واللغة المكتسَبة، وبين الذاكرة والواقع. وتأتي القصة الافتتاحية، التي تحمل عنوان المجموعة، كمثال واضح على هذا المسار؛ إذ تدور حول كاتب أمريكي من أصل فيتنامي يعود في نصّه إلى طفولته وإلى ذكرى أخٍ غائب، محاولًا عبر الكتابة إعادة تركيب عالمٍ انهار مبكرًا.
لا يتعامل الكاتب مع العودة بوصفها حركة جغرافية فحسب، بل كرحلة داخل اللغة والذاكرة. الكتابة هنا ليست حنينًا ساذجًا، بل فعل بحث مؤلم عن معنى الانتماء، ومحاولة لفهم الفقد بوصفه جزءًا من تكوين الذات. ويظهر ذلك بوضوح في استحضار حادثة مقتل الأخ، حيث تتحوّل الذكرى إلى نقطة مركزية تتفرع عنها أسئلة الهوية، والذنب، والبقاء.
في قصة أخرى، تتحوّل المذكرات الشخصية إلى مساحة اعتراف ومساءلة، حيث يتقاطع الخاص مع العام، والفردي مع الجماعي. لا يخفي فونغ انشغاله بالجسد، وبالعلاقة المربكة مع الوطن الجديد، ولا بتجارب العنف والفقر والعمل الشاق التي رافقت المهاجرين في حياتهم اليومية، خصوصًا الجيل الأول الذي وجد نفسه في مواجهة لغة وقوانين وثقافة لا تشبهه.
تعكس القصص أيضًا صعوبة الاندماج داخل المجتمع الأمريكي؛ فالأطفال غالبًا ما ينجحون في التأقلم سريعًا، بينما يظلّ الكبار أسرى الماضي، يتنقّلون بين الهشاشة والعمل القاسي، وأحيانًا بين الهامش والانكسار. ويبرز هذا التفاوت كأحد محاور المجموعة، حيث يصبح الاختلاف الجيلي مرآة لتناقضات الهجرة ذاتها.
في نهاية المطاف، لا تسعى «فاينت نافيوس» إلى تقديم إجابات جاهزة عن الهوية أو الانتماء، بل تترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة: هل الوطن مكان، أم لغة، أم ذاكرة؟ وهل العودة ممكنة حقًا، أم أنها مجرّد محاولة مستمرة للتصالح مع الفقد؟ عبر هذه القصص، يؤكد أوشن فونغ أن الأدب قادر على عبور الحدود، لا ليُلغيها، بل ليجعلها أكثر إنسانية.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.