هل تخيّل أحدنا يومًا أن يكون شاهدًا على إنسان يُقتاد إلى الإعدام في لحظاته الأخيرة؟
هذا السؤال الثقيل يشكّل جوهر رواية الميل الأخضر للكاتب ستيفن كينغ، التي تتناول تجربة الإعدام من منظور إنساني عميق، بعيدًا عن الإثارة السطحية.
تدور الأحداث حول السجين الضخم جون كوفي، المحكوم عليه بالإعدام على الكرسي الكهربائي في سجن بولاية لويزيانا. ورغم بنيته الجسدية المخيفة، يتبيّن أنه يملك روح طفل بريء وقدرات خارقة، ما يثير الشكوك حول عدالة الحكم الصادر بحقه. في الأيام الأخيرة قبل تنفيذ الإعدام، نعيش مع السجناء وحراسهم تفاصيل اللحظات التي تسبق الموت، ونكتشف ثقل الانتظار والخوف والندم.
الرواية ليست مجرد قصة عن جريمة وعقاب، بل دراسة نفسية واجتماعية متقنة. يعتمد الكاتب أسلوب السرد البطيء المتأمل، ليجعل القارئ يشارك الشخصيات مشاعرها، ويشعر بثقل القرار الذي لا رجعة فيه. لا يُقدَّم الإعدام كحدث قانوني فحسب، بل كمأساة إنسانية تترك أثرها في الجلاد والضحية معًا.
يتحوّل الكرسي الكهربائي في الرواية إلى رمزٍ للعنف المقنَّع بالعدالة، وتُطرَح أسئلة صعبة:
هل العقوبة حقّ مطلق؟ وهل يمكن للقانون أن يقتل بريئًا باسم النظام؟
يركّز كينغ على فكرة أن الشر الحقيقي لا يكون دائمًا في المجرم، بل أحيانًا في النظام نفسه حين يعجز عن رؤية الحقيقة.
تظهر شخصية جون كوفي ككائن نقيّ يعاني من قسوة العالم، ويحمل آلام الآخرين أكثر مما يحتمل جسده. في لحظة اعتراف موجعة، يعبّر عن رغبته في الموت هربًا من قسوة البشر، لا خوفًا من النهاية نفسها. هذا التحوّل يجعل القارئ يعيد التفكير في معنى الرحمة، وفي الفرق بين العدالة والانتقام.
كما تتناول الرواية مشاعر الحراس، وخصوصًا رئيسهم، الذي يجد نفسه ممزقًا بين تنفيذ القانون وصوته الإنساني. فالإعدام لا يقتل السجين وحده، بل يترك ندبة دائمة في نفوس من ينفذونه ويشهدونه.
في المجمل، تقدّم «الميل الأخضر» عملًا أدبيًا عميقًا، غنيًا بالشخصيات والأحداث والتفاصيل النفسية. وهي لا تنقل صورة عن السجون فقط، بل عن المجتمع ذاته، وعن قدرته — أو عجزه — عن التمييز بين الخير والشر، والذنب والبراءة.
إنها رواية تترك القارئ أمام أسئلة أخلاقية لا إجابات سهلة لها، وتؤكد أن الحياة — مهما قست — تظل أثمن من أن تُختَصر في زرّ كهربائي أو حكم نهائي.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.