يرتبط مفهوم الاشتباك بالمثقف بسياقه وبيئته التي نشأ فيها، فهو ليس مصطلحًا جديدًا بقدر ما هو امتداد لدلالات ارتبطت تاريخيًا بوظيفة المثقف ودوره في مجتمعه. وقد تجسّد هذا المفهوم بوضوح في التجربة الفلسطينية، من خلال نموذج الشهيد باسل الأعرج الذي لم يكتفِ بالتنظير الفكري أو الخطاب المجرد، بل ترجم قناعاته إلى ممارسة فعلية في مواجهة الاحتلال.
فالمثقف المشتبك ليس مراقبًا من خارج المشهد، بل هو ابن بيئته، تشكّلت رؤيته في سياق واقعٍ يتسم بالاحتلال والصراع. لذلك لا يمكن أن يكون على الحياد، ولا أن يكتفي بدور المتفرج أو المحلل البارد، لأن الاشتباك هنا يتجاوز البعد العسكري ليشمل الانخراط الواعي في قضايا العدل والحرية وكرامة الإنسان.
الاشتباك، بهذا المعنى، هو انحياز للمعرفة في مواجهة الجهل، وللعدالة في مواجهة الظلم، وللحرية في مواجهة كل أشكال الهيمنة، سواء أكانت سياسية أم ثقافية. وهو أيضًا سعيٌ لتحرير الوعي من الصور النمطية والروايات المفروضة، وتمكين الذات من صياغة سرديتها الخاصة بعيدًا عن الإقصاء والتهميش.
ويتسع مفهوم الاشتباك ليشمل المستويات الفكرية والثقافية والاجتماعية، فلا يقتصر على القوة المادية، بل يقوم على بناء وعيٍ نقدي قادر على تفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة تعريف العلاقة مع الآخر على أساس من الاحترام المتبادل والمعرفة العميقة.
ومن هنا، يقدّم هذا الطرح حوارًا مفتوحًا حول المثقف ودوره، وحول معنى الاشتباك بوصفه موقفًا أخلاقيًا ومعرفيًا، يعكس التزامًا بقضايا الوطن والإنسان، ويمنح المقاومة بعدًا ثقافيًا يعزّز حضورها وفاعليتها في الواقع المعاصر.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.