بعد النجاح اللافت الذي حققته سلسلة «الحكماء يتكلمون» الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2008، تابعت الدار إصدارها حول الثقافة الصينية بخمسة كتب أخرى حتى عام 2013. وتضم هذه السلسلة الأعمال الكلاسيكية لعدد من حكماء الصين، إضافة إلى النظريات الفلسفية، والمدارس الفكرية، والعديد من الحكم والأمثال التي حملت اللوائح الشرقية وشذرات الحكمة التي نطق بها حكماء من مختلف مدارس الفكر التاريخية القديمة في العصر الذهبي الصيني (770–476 قبل الميلاد، و475–221 قبل الميلاد). وقد تنافست هذه المدارس في نظرتها إلى الخير والشر، والحرية والحرب، وغيرها من القضايا، ومن بينها المدرسة الطاوية، والكونفوشيوسية، والموهية، والمدرسة المنطقية، والمدرسة الحربية، ومدرسة «ين–يانغ». وكانت هذه المدارس بمثابة الكواكب والنجوم اللامعة التي تزيّن درب الثقافة الصينية.
الكتاب الخامس من سلسلة «الحكماء يتكلمون» يتناول الفيلسوف موزي:
أسّس موزي المدرسة الموهية، وهي إحدى المدارس الفلسفية الرئيسة في الصين. وقد حظي أتباعه بانتشار واسع، إذ جابوا العديد من الولايات لإلقاء المحاضرات حول أفكاره في الإدارة الحكومية، والسعي إلى القضاء على الفوضى والاضطراب في المجتمع. وقد لاحظ هان فيزي، مؤسس المدرسة القانونية، أن هناك مدرستين فكريتين بارزتين في عصره: إحداهما الكونفوشيوسية التي يمثلها كونفوشيوس، والأخرى الموهية التي يمثلها موزي. وقد اعتُبرت الموهية منافسًا قويًا للكونفوشيوسية، وكان لها تأثير كبير في المجتمع آنذاك. وقد علّق منسيوس قائلاً: «إن كلمات موزي تظهر في كل مكان».
تقوم الموهية في جوهرها على مبدأ الحب الشامل، الذي يدعو إلى أن يشعر المرء بالمساواة تجاه الجميع، وهو ما يؤدي إلى إدانة الحروب العدوانية؛ إذ كان موزي معارضًا لأي حرب توسعية. كما أيّد مبدأ البساطة في إقامة الجنائز، وانتقد الإفراط في الطقوس الموسيقية، وخالف الكونفوشيوسية في ذلك، إذ عارض طقوس الدفن المكلفة وفترات الحداد الطويلة، وعدّها عبئًا على المجتمع. وشكّلت هذه المواقف أساسًا لاختلافه الجوهري مع الفكر الكونفوشيوسي.
ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلاف منطلقاتهما الفكرية، فقد لاحظ هان يو، وهو من أتباع الكونفوشيوسية ذات الطابع الصيني، أن الكونفوشيوسية استعارت بعض أفكارها من الموهية، والعكس صحيح، مما يدل على أن المدرستين كانتا متكاملتين في بعض الجوانب الفكرية، لا متعارضتين على نحو مطلق.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.