منذ أن ارتفع صوت المؤذن في صلاة العصر، شاع في المدينة خبر العثور على مقبرة جماعية عند أطراف كربلاء. وما إن تناقل الناس النبأ حتى تضاعف صداه مع نبرة المؤذن المختنقة عبر مكبرات الصوت، إذ عرفه الجميع أبًا لأحد المفقودين.
أما السيد، فكان قد آثر البقاء في بيته. أنهى صلاته بهدوء ثقيل، طوى سجادته بعناية ووضعها في زاوية الغرفة، ثم تناول عمامته وأطبقها على رأسه بيدين ثابتتين تخفيان اضطرابًا داخليًا. عيناه كانتا ساهمتين، تتكئان على صبر أمٍّ جلست قبالته تنتظر كلمة. لم يسألها عمّا إذا كان الخبر يعني ابنهما؛ كانت دموعها وحدها كافية. لم تكن تبكي خوفًا، بل رجاءً بأن يكون بين الأسماء التي عُثر عليها، أيًّا تكن حقيقة المصير.
خرج السيد إلى الشارع الرملي من غير أن يحتاج إلى دليل. كان الاتجاه واضحًا؛ حركة الناس المتسارعة، والوجوه المشدودة، وصوت المؤذن الذي ظل عالقًا في الذاكرة. همس بعضهم باسمه وهم يفسحون له الطريق، وكأن حضوره يمنح المشهد ثقلًا إضافيًا. كانوا يعرفون أنه منذ عامين يعيش على حافة الانتظار، لا يملك سوى الأمل والصبر، وكلاهما أوشك أن يُستهلك.






المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.