يتابع الأستاذ فؤاد مطر، في إطار رسالته الإعلامية، الكتابة عن ساعاتٍ طويلة من الحوارات الصريحة مع صدام حسين، ليصدر كتابه الجديد بعنوان «هكذا حاورتُ صدام حسين حول العراق». وجاء الكتاب نتاج حوار غير مسبوق أجراه المؤلف عام 1983، استغرق سبع عشرة ساعة، وكان من أطول وأشمل الحوارات حول السيرة الذاتية والحربية لصدام حسين، ورؤيته لمستقبل العراق، ونظرته إلى الوحدة العربية، وإيران، ومصر السادات، وقضية فلسطين، والعلاقات مع دول العالم، في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة.
يوضح مطر أن توقيت صدور الكتاب يحمل دلالات خاصة، إذ يأتي بعد أن بات صدام حسين رمزًا مركزيًا في الذاكرة السياسية العربية، محاطًا بمشاعر متناقضة بين النقد والتقييم وإعادة القراءة. ويشير إلى أن صدام، خلال توليه السلطة، مارس دور “الرجل الأقوى” في العراق، مدفوعًا بأيديولوجيا حزب البعث وبخطاب قومي تصادمي، قبل أن ينتهي به المطاف ضحية مشروع إسقاط متكامل.
ويكشف الكتاب عن تفاصيل الحوار الذي دار مع صدام حسين، حيث طُرحت أسئلة دقيقة واستفسارات مباشرة حول طبيعة الحكم، ومستقبل العراق، والعلاقة العربية–الإيرانية في سياق الثورة الإيرانية، إضافة إلى موقف دول الخليج التي خسرت، وفق القراءة الواردة، رهانات كبيرة نتيجة المواجهة مع المشروع الإيراني، وما ترتب عليها من كلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.
كما يتوقف المؤلف عند التحولات الدولية، منذ إدارة الرئيس جورج بوش الأب، ثم البريطانيين، وصولًا إلى الحرب التي أدت إلى الغزو، مبرزًا كيف تراكمت القرارات والتدخلات حتى لحظة الانفجار. ويرى مطر أن قادة دول الخليج، مع اشتداد الصراع العراقي–الإيراني، دخلوا مرحلة مأزق استراتيجي طويل، دفع ثمنه العراق والمنطقة ككل.
ويعالج الكتاب أيضًا دور بعض الشخصيات العربية، ومنها الأمير سعود الفيصل، في محاولات الإحاطة بالمشهد الإقليمي وتعقيداته، متوقفًا عند الرؤية الاقتصادية والعسكرية للعراق وإمكاناته، وما إذا كانت سياسات صدام قد مثلت مغامرة غير محسوبة أو مشروعًا مختلفًا في قراءة التوازنات.
ويخلص الكتاب إلى أنه ليس مجرد توثيق لحوار سياسي، بل شهادة فكرية وإعلامية تفتح باب التأمل في تجربة حكم، وفي مفترق تاريخي لا تزال تداعياته حاضرة حتى اليوم. وفي رأي الدكتور خليل أحمد خليل، فإن قيمة هذا العمل تكمن في كونه يجمع بين البعد التوثيقي والبعد التحليلي، ويقدّم مادة غنية للباحثين في تاريخ المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.