بعد أن ذاع صيته واشتهر في الغرب، تُرجمت إلى لغات عديدة ورُشِّحت للبوكر، يعود الروائي المصري «مكاوي سعيد» بعد عقدين من الزمن بقوة في عمله الجديد «فِران السفينة»، الرواية التي دخلت القائمة النهائية لجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى.
في «فِران السفينة» يرصد الروائي الواقع الاجتماعي المصري في تحوّلاته وتبدلاته، ليطرح أمام القارئ مقاربة نقدية – اجتماعية لشريحة واسعة من المجتمع تمثل نموذجًا لمجتمع ما بعد الانفتاح، حيث تتناول الرواية أحداث (يناير 1978) داخل أسوار الجامعة المصرية وما دار وقتذاك من تيارات سياسية كانت متصارعة بين الطلبة إثر ذلك وما تلاه من انفتاح اقتصادي وسياسي وحراك اجتماعي، وتطبيع مع الإسرائيليين، ما أدى إلى تفسّخ في النسيج الاجتماعي وبروز سلبيات هذا الانفتاح على الطبقة المتوسطة والفقيرة في مصر، فبَدَت الانتهازية والطمع واتخاذ ما يحلو لك شعارًا وطريقًا للوصول إلى أهداف خسيسة مثل نهب المال العام وشيوع الفساد والرذيلة، وما رافقه من تحلل أخلاقي وقيمي.
تنسج خيوط الرواية أحداثًا كبيرة برع فيها الروائي بحبكة روائية مشوّقة وأسلوب سردي سلس لشخصيات الرواية واستعراضه لشخصيات نساء ورجال مثل: محمود، وفاء، مصطفى، نهى، عادل، ليلى… التي لعبت دورًا جوهريًا في تجسيد صورة المجتمع وتناقضاته، سلبياته وإيجابياته: غياب السلطة الأبوية، الجريمة، الحب، الفقر، الطمع، الفساد، اغتيال الحق.
برزت في ثنايا هذه الرواية للنسيج الروائي قراءة نقدية إلى أولويات حياة الشباب العربي، وأهدافه، بعد النظر في قضايا تعرض مجتمعاتنا العربية، لاسيما عقب فتح مسار الأحداث السياسية والاجتماعية، وهي قراءة واعية تعكس قدرة الروائي على الغوص في منظور النفس الإنسانية المغلّفة بذاتها، ويغيب معها الضمير كما تتعمق قراءة الرواية في غياب البوصلة في عالم الحب والطموح والارتباط بالمجموع؛ يعبّر عن ذلك الروائي من خلال مشاركة الجميع في التظاهرات، ووفاء ومحمود ومصطفى وأقرانهم وصولًا إلى عالم مهترئ، مدن أخلاقيًا يسوده التفكك والضياع؛ «غييمة كبيرة من الذهول والدهشة والخوف خيّمت فوق الرفاق، لم يستوعبوا حجم ما حدث».
بينما تسمرت عينًا محمود على الباب الذي طلت وفاء وليلى تطلقان جنون. تراجعت القلة من المتظاهرين التي كانت تهتف، انسدلوا هرولين ثم اختفوا عن الأعين، خرج الرعب هادرًا كبيرًا من عين محمود ومن كل الفتحات. هل تكلّم مصطفى فقط؟ بمجرد تلقيه أول صفعة سينفلت لسانه ويجرهم عن الجميع… ستجرفه السجن والمحن. محمود يصعد الأب سريعًا بمجرد تلقيه الرِقّية وينفجر ويشتم كثيرًا بلا منصب، وتظل تلوُّم الأم والأخت لأنهم دللوا منذ الصغر، ويهمس في أذنه بما يعكّر مزاجه ويكدر وجهه حتى يفرّ عائدًا تاركًا الجمل على الغارب. كان اليوم مشؤومًا من أوله ولا يزال طويلًا متمدّدًا وشبحه حامٍ بالرغم من أننا لا نزال في يناير.
«فِران السفينة» عمل روائي أقل ما يُقال عنه: هادف. يطرح قضايا إدانة ورؤية قاتمة لواقع آثم، هو غيض من فيض النداءات ودعوة صادقة للتغيير، في بلد رفعت فيه الشعارات الطنانة بعيدًا عن واقع الناس، ما أدى إلى سقوط اجتماعي وانهيار للبناء الاجتماعي والأخلاقي في آن، واقع يتعزّز فيه الثراء ويتقدّم فيه الأغبياء.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.