بين حكاوي المقاهي الشعبية في الأمس وبس حكاوي اليوم الكتابي، تختلف القصص، فالأول يروي الخيال، والثاني يروي الواقع، وإن كان كلاهما يمارس فنّة السرد ولكن بأدوات مختلفة، والقارئ في كل زمان ومكان تقوّيه الحكايات، ولكن رواية «كافيه فيروز» للروائي والفنان التشكيلي علي شاكر (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015) هي أوسع وأشمل من كل الروايات، فهي تطرح أسئلة الواقع العربي الراهن، تلامس واحدًا من التلوث المحرم في المجتمعات العربية (السياسة)، وتعرّف على توتر العلاقة الملتبسة بين المثقف والسلطة، ولم تنسَ أيضًا الناس العاديين، وقد وفود الثورات في آن.
مضى عامان على هبوب عاصفة الربيع العربي، محاولة التغيير بدأت بالظهور ليحلّ محلها خوف وتوجّس من القادم من الأيام. تقع الرواية في خمسة فصول يتمحور كل منها حول شخصية من الشخصيات المتواجدة في المقهى:
نادين: مصورة صحفية في لبنان، تعمل مع وكالة الأنباء الفرنسية، تقرر التقاعد والاستقرار في العاصمة الأردنية حيث تفتح مقهى أطلقت عليه اسم المقهى، وتفتح زواياه سماع أغاني فيروز، بينما يحتسون فناجين القهوة، نادين شخصية دائمة لكل مظاهر الزيف ومتمرّدة على السائد من الأطر.
وليد: عازف بيانو فلسطيني الأصل مولود لأُسرة فقيرة في مخيم البقعة للاجئين في ضواحي عمّان، الأغاني التي يعزفها في المقهى تُثير جنونه، فهو لا يتعافى بعد من انهيار علاقته بفتاة أنهى حدّ الجنون وقرر الارتباط بها قبل أن يكتشف حقيقتها المريعة.
ربي: الابنة الوحيدة لواحد من أكثر الرجال نفوذًا في سوريا وزوجته الحسناء سيلينا، العائلة الدمشقية العريقة تصل إلى عمّان في مهمة غير معلنة، وجودها في الأردن وتماسّها مع معاناة اللاجئين السوريين فيه يقودها إلى إقدامها على خطوة ستغير مسار حياتها بل تقلبها رأسًا على عقب.
محمود: رجل أعمال مصري يصل إلى الأردن في زيارة عمل قصيرة يلتقي خلالها بنادين التي تدعوه إلى زيارة مقهاها، معارضة محمود لمحاولة زوجته الإيطالية التأثير على طفلها في الوقت الذي يراقب فيه التعصب الديني وهو يجتاح مدينته الحبيبة، يكلفه ثمنًا باهظًا.
علي: مخرج عراقي مغترب يقوم بزيارة للأردن لمتابعة بعض الشؤون العائلية، ويتخذ من كافيه فيروز مقرًا لكتابته، وروايته الأغاني التي تتردد في المقهى تثير ذكرياته عن حياته في بغداد وبداية تعرّفه على صوت فيروز وتجعله يسترجع ملامح العيش في ظل نظام شمولي والقمع الذي أعقب الإطاحة بالحكم.
الربيع العربي يشكّل الإطار الزمني للقصة، لكن أحداثها لا تعنى بتحليل مسبباته ولا تدعم استقراء إفرازاته ونتائجه، كل ما في الأمر أن وليد وربى ومحمود وعلى تصادف وجودهم في عمّان في ذلك التوقيت دون أن يخطر في بال أحد منهم أن ثورة أخرى توشك على الاندلاع في مصر أو أن الوضع المتأزم في كلٍ من سوريا والعراق سيستخف عن ولادته ما يُعرف بداعش – مختصر الدولة الإسلامية في العراق والشام – ولم يكونوا يملكون أدنى فكرة عن الحال الذي ستؤول إليه الأمور في فلسطين أو لبنان أو ليبيا أو تونس.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.