جاءت كتابة كتاب الفصوص بأسلوبٍ جديد ومميّز، حتى قال عنه أستاذ بديع الزمان فروزانفر: لم يُؤلَّف قبله ما يماثله، ولا ظهر بعده ما يوازيه. فهو عملٌ فريد في بابه، لا نجد نظيره في كتب المتصوفة، لما يحمله من تصويرٍ عميقٍ لمسيرة السلوك الروحي في بعدها الأفقي والعمودي ضمن منظومة فصوص الحكم.
يفتتح النص بنداءٍ روحي يقول فيه: «يا ضوءي وروحي لا تبكِ»، داعيًا إلى التأمل في حديث السماء والأرض والعرش والكرسي والملائكة والأنبياء. فالحديث هنا ليس بلسان القول الظاهر، بل بلسان الحال؛ وقد يبدو لمن ينظر إلى الظاهر أنه غير مستقيم، غير أن باطنه مستقيم كالسهم. وهكذا، فإن ظاهر المعاني قد يبدو ملتويًا كالقوس، بينما يحمل في داخله حقيقةً عميقةً من الحسن والجمال.
وعند نهاية السفر الروحي يبلغ السالك غاية السلوك، فيكتشف أن ما كان يطلبه خارجًا إنما كان كامنًا في داخله. فقد أنفق عمره وطاقته في البحث عما يظنه بعيدًا عنه، ثم يدرك أن مراده كان أقرب إليه مما تخيّل. ومن هنا يتساءل: لماذا بقيتُ في كل ذلك الغناء والألم أبحث في الكائنات عمّا هو في الأصل من ذاتي؟
وتأتي الإجابة من الروح السائلة: «كنتَ تعرف قدرَك قليلًا». فحال الإنسان كمن يملك كنزًا بيده، لكنه يمدّ يده يطلبه من الآخرين. ولو أدرك ما في يده لما سأل عنه أحدًا، ولعرف قيمة ما يملكه من البداية.
ويضمّ هذا الكتاب حكاياتٍ وقصصًا وعِبرًا كثيرة، وفيه نقدٌ لاذع للملوك والسلاطين لا نجده بهذه الجرأة في كتبٍ أخرى. وقد ألّفه فريد الدين العطار، ثم عاد لاحقًا فكتب «منطق الطير»، وهو أيضًا رحلةٌ روحية نحو المقصد الأسمى. وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب بين العملين، فإنهما يلتقيان في المعنى والغاية؛ فكلا السفرين طريقٌ واحد نحو الحقيقة.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.