أحاول أن أرسم خارطتي من فراغ الهمس؛ أمدّ خيطًا من نجاةٍ إلى دعاءٍ يشبه الأمس، كأنني أبحث عن حكايةٍ ضاعت بين ذاكرةٍ تحدّثت طويلًا وسكونٍ لا يقول شيئًا. أمشي فأقرأ في جدار الملوحة ما تبقّى من صوتي، ثم أتوارى قليلًا، كأنني أجرّب أن أكون ظاهرًا وخفيًّا في آنٍ واحد.
أحاول أن أرمم بياضًا يظلمني؛ وحين يفتح الجنان خطيئتي أجدني أفتّش في الذنب عن معنى النجاة. تقول لي المسافات: إن الطريق إليك ليس إلا غفلةً صغيرة عن نفسي، وأن الوصول أحيانًا هو أن أتعلم كيف أفقد ما أظنه يقينًا.
ربما أحتاج بعض الموت كي أستيقظ؛ أعتذر للوسن الذي أخذ من عيني ما يكفي لأرى. لا شيء يخصّني تمامًا، ومع ذلك أظلّ أبحث عمّا يشبهني بين العابرين. أقول: لعلّ الاعتذار شكلٌ آخر من أشكال المعرفة، ولعلّ الحنين وطنٌ يتكوّن في اللغة قبل أن يسكن في المكان.
هذه ليست سوى مقاطع تتناثر مثل قطرات سهرٍ على أطراف الليل؛ شعرٌ يتشكّل ببطء بين ارتباك اليد ونبض القلب، بين يقينٍ يتصدّع وشكٍّ يتّسع. كأن الكلمات تسافر بي بين دهشةٍ واعتراف، بين محاولة الفهم ورغبة الضياع الجميل.
هكذا يصبح القارئ رفيق الرحلة؛ يمضي مع النصّ عبر مسافات الدهشة وبياض المعنى، ينتقل بين ظلال الأسئلة وبقايا الأجوبة، حتى يصل إلى أماكن لا تُعرَف بالخرائط… بل تُعرَف بما تبقّى في الروح من أثر الكلمات.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.