تُشكِّل رواية “كما تشاء” للروائي الفلسطيني “أمير زغلولة” رواية الصراع بين جيلين: جيل الآباء الملتزم دينًا وقيمًا وسلوكًا، وجيل الأبناء المندفع بالمواهب والأحلام، وتأثير هذه العلاقة على الأبناء في حاضرهم ومستقبلهم هو ما يجري التعبير عنه في الرواية من خلال شخصية السيد “مصطفى” الذي يمثل الصورة النمطية الذكورية، البطريكية للأب، وشخصية الابن “فضل” الموهوب العاشق للموسيقى والفن، والذي أراد تعلّم العزف على آلة البيانو فواجه معارضة شديدة من والده، حتى عاش الحلم معه في صحوه ونومه، وخلق معه آفاقًا بعيدة رأى فيها نفسه وسط عالم لم يبت إلى عالمه الواقعي بصلة، عازفًا مشهورًا أنتج ألبومًا موسيقيًا، موسيقى شرقية وغربية من تأليفه، والألبومات الأخرى تكتسح الأسواق، تُدرّ عليه أموالًا طائلة، حتى صار علمًا من أعلام الموسيقى في الشرق والغرب.
لقد تأكد له في النهاية أن كُلًّا من والديه، كانت أخلاقهم هي السبب في عدم تحقيقه للحلم ولا حتى إيجاد طرف الخيط ذاك.
“كما تشاء” رواية تقول لنا إنها “أن أحلام المرء تتوقف على أخلاق المجتمع”، وأن سبب نجاح الروائي “هو الحلم”، بذور نزرعها في أرض البصر والبصيرة لنحصدها بعد الجهد والتعب حيث تُثمر الانتصار. هو كلام جميل ولكنه هكذا دائمًا في الواقع أن المبدع إن الحلم هو محرك لبذل الأمل إن تكافؤ فرص مع نجاحات أخرى.
يقول أمير زغلولة وأراد التعبير عنه في مقدمة روايته بالقول: “وصلت لمرحلة، شعرت فيها بأنه قد أصبح واجبًا عليَّ أن أكتب رسالة إنسانية أقصّ فيها ما يجول بخاطري من شعور بطمس كبير لمواهب الكثير من الشباب إن كانت، وعدم إعطائهم الفرصة ليس لتقييم إبداعهم وحسب، بل لإثبات إذا ما إذا كان الأمر قد وصل إلى عدم النظر فيها ولا حتى محاولة معرفة شيء عنها، وإن حدث، لم يكن إلا لالتقاط فرصة جيدة للاستهزاء بالشيء الذي جُهد به، ومحاولة جعله كمسخة مضى على تقفها عقد من الزمن.”
في رحلتي مع هذا النص، تخيلت نفسي جالسًا بين صحبي ورفاق دربي، أقصّ عليهم وأحدّثهم بما يجول بخاطري، لذلك تجدني أفحم نفسي في الحديث هنا وهناك دون “جم” ولا “دستور”، وعلى الرغم من أنني علمت وبعد الانتهاء من الكتابة أن الروائي لم يتدخل في مسير أحداث الرواية إلا أنه أبقاها كما هي، ليس تقاعسًا عن العمل، فالكتابة عمدًا تأتي الخاصة، ولكن السبب يكمن في رؤية جامعة عندي، بل بهاء الفراوي، بأنه أحد أصدقائي وأخيه الذي أنقل الحوار إليه بشكل خاص ما يجذبني إليه.
هذا الذي يجعل من رواية “كما تشاء” نصًا روائيًا رشيقًا يطرح أسئلة، ويؤجّج أجوبة، بطريقة سلسة، فيجمع بين فائدة الحكاية ومتعة الخطاب.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.