«خيرُ الكلامِ ما قلَّ ودلّ»، في هذه القصص الموجزة التي هي خير دليل على قوّة البساطة وقدرتها في التعبير عن عمق التبصّر والحكمة والمغزى والفلسفة التي تُعين على الحياة ومشاكلها ومساوئ أحوالها. في هذا الكتاب الذي يعرّف بالتقاليد الصينية وتراثها عبر الحديث عن الحكيم كونفوشيوس، الذي يُعتبر أهم مفكّر ومعلّم مؤثّر في التاريخ الصيني، فيروي قصصاً مسلّية ومشوّقة في أسلوبها، وغنيّة وغزيرة بمضامينها، عن أحداث حياته منذ ولادته وحتى مماته، ويتحدّث عن أسفاره، ويشرح تعاليمه وكتاباته، ويكشف أسرار نجاحه في الترويج لفكرة «السياسات الخيّرة» و«الإدارة الأخلاقية».
يحرص هذا الكتاب المميّز على الإبقاء على النصّ الأصلي الصيني جنباً إلى جنب مع النصّ المترجَم إلى العربية، كما على تزيين صفحاته بالرسوم الجميلة التي تُضفي عليه وعلى كلّ قصة من قصصه جماليّة خاصة، تأخذ القارئ إلى أبعاد مختلفة ومفتوحة الأفق والخيال.
صُنِّفت هذه القصص ووُضِبت بحسب مراحلها الزمنية ومواضيعها ضمن إحدى عشرة فصلاً. تبدأ بفصل الطفولة والمراهقة، وتحكي عن الطفل «كونفوشيوس» الذي وُلد ضعيفاً داخل كهف في الجبل، من أبٍ من كبار الضباط في الدولة، لكن من أمّ محظيّة وصغيرة السن، تزوّجها الوالد بسبب أنّ زوجته الأصليّة لم تنجب له تسعة بنات، ولم تُرزق بذكر. يتربّى الطفل إلى جانب أمّه بعد موت والده وهو في الثالثة من عمره، فتعلّمه القراءة والكتابة، وتروي له قصصاً عن الأمير «زوماو» الذي تأثّر به، وعلم أنّه سوف يصبح شخصاً مثله.
ثمّ ينتقل إلى الفصل الثاني عن أوصاله للمعرفة والشهرة، وفي الفصل الثالث يبدأ مسيرته «العِلم والمعلّم». أمّا الفصل الرابع فيبحث في أفكار الحكيم «كونفوشيوس» وتعليمه وتأمّلاته وحكمته، ونتيجة لكلّ هذه الخصال يصبح المستشار والمرشد في الفصل السابع، ويرتقي في الفصل الثامن إلى السلطة والسياسة، ومن أقواله فيها: «لا يتمكّن المسؤولون في الإدارة من القيام بأعمال خيّرة إذا لم يدرسوا الشِّعر والموسيقى»، و«إنّ شغل منصب رسمي ليس الطريقة الوحيدة للمشاركة في السياسة».
وسيُفرد الفصل التاسع بالفيلسوف الحكيم، ومن حكمه: «الواقع هو أن الذهاب بالأمور بعيداً جدّاً وعدم التعمّق فيها بما يكفي، هما أمران متساويان في السوء». يهتمّ الفصل العاشر بكتاباته ومؤلّفاته، ويتحدّث الفصل الأخير عن وداعه وموته وهو في الثالثة والسبعين.
هذا الكتاب هو متعة في القراءة، يقدّم للقارئ كلّ ما يغذّي النفس من الخيال والتسلسل والسرد، كما المعنى والمغزى والحكمة في قالب من الحكايا والقصص التي لا تلجأ إلى التعقيدات غير الضرورية، ولا إلى الإبهار الشكلي، بل تعكس على طريقتها الخاصة جماليّة رفيعة المستوى.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.