بين دفّتي هذا الكتاب نشهد مشروعًا ثقافيًا متكاملًا قلّ مثيله في وطننا العربي، يرتكز على صناعة الأفلام الوثائقية التي تهدف إلى تعريف المشاهد العربي بشكل موضوعي على مواضيع علمية وتاريخية وجغرافية هامّة. وينطبق على هذا النوع من الأفلام الجادّة، والتي تضع أصلًا التعريف المتلقّي بأمر معرفي يهمّه، “الأفلام التسجيلية أو الوثائقية”. يضمّ هذا الكتاب أهمّ الأبحاث التي نُشرت خلال عام 2009 بالمجلّة الوثائقية الإلكترونية لقناة الجزيرة الوثائقية، بهدف دعم المكتبة السينمائية العربية التي ما زالت تعاني فقرًا ملحوظًا في المراجع السينمائية العربية والكتب التي تهتم بالسينما الوثائقية بشكل خاص. يعدّ هذا الكتاب محاولة للحوار والنقاش حول جنس من أجناس السينما الأصيلة، وهو الفيلم الوثائقي. لهذا جاءت الدراسات الوثائقية لهذا الكتاب متنوّعة من حيث الرؤى والمدارس. فالغالبية الأولى للبحوث في هذا الكتاب هي دراسات في مساحة النظريات، وقد بدأت بمحاولات للنقاش إلى صلب الكتاب البحثي، ومنها قدّم عدد من الباحثين قراءات نقدية أو مراجعات للفكر أو جدل فكري في الرؤية الفلسفية التي يتناولها هذا المؤلَّف. فيما ميّز كتابنا ثراءً وتنوّعًا في أشكال تناول الوثائقي، ونظرياتها ومدارسها، وطرح حول هذه الحالة الأسئلة الإبداعية التي تبلغ بها معرفيًا وفنيًا ونقديًا بعيدًا عن التنميطات الإيديولوجية والإسقاطات الفكرية.
ينقسم الكتاب إلى خمسة أبواب. الباب الأوّل يتضمّن دراستين هما عبارتان عن مقدمات نظرية: “جاء زمن الصورة”، تحاولان أن تضعا إشكاليات الفيلم الوثائقي في إطارها النظري والجدلي. أمّا الباب الثاني، وهو الأكبر، فحاول الباحثون من خلاله جمع المقالات التي سلطت الضوء على بعض مدارس الفيلم الوثائقي واتجاهاته، ونظرًا لكثرة الإشكاليات المرتبطة بالفيلم الوثائقي تم اختيار الإشكاليات الجامعة والكبرى. لهذا خُصِّص الباب الثالث لطرح إشكالية التصنيف بين الروائي والتسجيلي، وهذه الإشكالية مرتبطة نظريًا ونقديًا بإشكالية أخرى لا تقلّ أهمية وهي إشكالية الموضوعي والذاتي في الفيلم الوثائقي. وقد جاءت دراسات القسم الرابع لتُضيء جزءًا من ملامح هذه الإشكالية. أمّا الباب الخامس والأخير فهو أميل إلى التطبيق وبعد التنظير، بحيث تم جمع مجموعة من الدراسات، والتي هي عبارة عن قراءات في الفيلم الوثائقي العربي من خلال نماذج متنوعة في المشرق والمغرب. لقد حاول كتاب المواد أن يقدّم رؤى نقدية وتحليلات علمية يمكن العمل عليها كقاعدة محاورة حول المواد الواردة في الكتاب التي تعبّر عن أشكال السرد والتجارب الوثائقية لصنّاع أفلام.
ومنهم من هو رصيد في مجال إخراج الفيلم الوثائقي العربي مثل كبس زبيد، أو فهمي، أو جيمس أبو رومي أو فهمي، ومنهم من مارس العمل في مجال النقد السينمائي مثل كامل العمري وأحمد بوغاش ونادر دروس، ومنهم من هو آتٍ من مجال التنظير الأكاديمي كعدنان مدانات أو سيد سعيد، أو عايدة جبارة، ومنهم من يشتغل في ميدان البحوث متعددة الاختصاص كاللسانيات والسيميولوجيا وغيرها. واستثمروا خبرتهم في قراءة الوثائقيين كالباحث أحمد القاسمي ورضا بن صالح وأحمد الموسوي وعاصم الجرادات وإبراهيم رزقاني. الكتاب مساحة تلاقٍ فيها كل هذه الآراء التي تعبّر عن التنوع النقدي والنظري، كما هو فرصة لتطبيق بعض النظريات العالمية في الفيلم الوثائقي على تجارب عربية، وكل ذلك يهدف إلى وضع أسس معرفية لمناقشة ثقافة الفيلم الوثائقي في العالم العربي إنتاجًا وتلقيًا ونقدًا.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.