تبدو التأصيلية أحيانًا كاتجاه عام في مسائل الثقافة، يريد أن يرتكز على تميّز الذات الثقافية والحضارية العربية الإسلامية، تميّزًا يقضي على أي سبب للاستلاب الثقافي والحضاري، وأحيانًا أخرى لا تكتفي بهذا الموقف شبه الأكاديمي، بل تخوض غمار الجدل السياسي، حيث تؤكد التزامها بالمجتمع الأهلي الذي أُحسن واستُبعد كليًا من ساحة القرار، ومهما يكن من أمر فإن مجال عمل التأصيلية هو في الأصل على الساحة الثقافية العربية، وهي تُعدّ نفسها جزءًا من حركة الصحوة الإسلامية الكلية التي يشهدها العالم الإسلامي كله. لكن هذه الحركة نفسها لا تستخدم الإسلام العام منهجًا عمليًا للحل، بل بمنظومة ثقافية ورؤية حضارية تمثلت في تيارات ودوامات الحركة الإسلامية نفسها، مع بعض الاتجاهات الخاصة ضيقة الأفق، التي هي لحسن الحظ لا تشكل التيار الغالب في الحركة الإسلامية العربية. ترى التأصيلية أن الإسلام هو دين وحضارة، وأن تجربة السلف الحضارية هي جزء لا يتجزأ من الإسلام، فالتحليلية الإسلامية تدافع عنها بوصفها نتيجة الرسالة المحمدية التي أنتجت منطقة واسعة من التشكل البشري عبر قرون من التكوين الثقافي والحضاري. وهذه الرؤية الكبرى الموجهة للطريق من وجهة نظر التأصيلية لها منطلقاتها الخاصة: فالإسلام بمعرفته استوعب جهود علماء الديانات الذين شاركوا في بناء هذه الحضارة الإسلامية، وهكذا فإن جهود الأطباء والفلكيين وغيرهم من النصارى والصابئة شكلت جزءًا من الحضارة الإسلامية. من هنا فإن التأصيلية، بما يجري في الساحة الثقافية لأبناء الديانات الأخرى المشاركة في الوطن العربي. 3- التأصيليون الذين هم “علمانيون إسلاميون” يتحركون في ميدان علمهم بدلًا من التيارات الدينية التي تنتهج تقريب المجتمع، ومنهجًا خاصًا لتقليص سلطة العنف، ثم يدعون في النهاية إلى الجماعات الديمقراطية العلمانية القائمة داخل المجتمع العربي نفسه، وهو ما يقبله هؤلاء، مع النزعة الجمهورية والتقدم الإسلامي لدى هؤلاء الذين يبذلون جهودًا للحفاظ على هوية المجتمع. وفي مقالات هذا الكتاب محاولات تطبيقية تحتاج إلى المزيد من التعميق عموديًا وأفقيًا للرؤية التأصيلية النقدية. هذه الرؤية تعمل على نقد الثقافة العربية المعاصرة وفصل جبهتي الأصل الملصق بالهوية العربية ورؤيتها التراثية ورسالتها الدينية عن واقعها المدخل الذي يتناقض مع بنيتها وأساليبها التأصيلية. فالأصل دائمًا ما يكون أوسع من واقعه مما يفسّر إعادة طرح الإسلام الأصولي في هذه المرحلة الأخيرة باعتباره خيارًا فكريًا يريد أن يردّ الأمور إلى مبادئها على الواقع. والتأصيلية تريد أن يكون هذا النقد دائمًا قابلًا للخلق بصورة إسلامية طبقًا للمبادئ الخالدة، شرط أن لا يكون هذا النقد استسلامًا أو معقدًا النقص تجاه الآخر.
من هنا فقد أراد المؤلف من كتابه هذا طرح الأفكار الأهم والأدق التي تشكّل في الفكر التأصيلي العربي المعاصر هذا الفكر دائمًا في توكيد كثير من قضايا العرب منذ مطلع القرن وما سبقه، قضايا أساسية جديدة: الهوية، الخصوصية، التحديث، التغيير. لكنه في مفصل نقدي هام كان كالأصبع في الكواكب، ولذلك كان كبير الأثر، ممتدًا من نفوذه بل من حاجز أمامه.
نقطة التأسيس
العربي نفسه في نهايات القرن العشرين، في وضع عجيب، فهو كاد يطرح الأسئلة نفسها التي طرحها على نفسه في بدايات القرن، وسواء أدارت السؤال حول الحرية أو حول الخيار، فلا يزال يذكر الغرب ومصالح الغرب وتدخله. والأمر هو في العشرينيات كما في السبعينيات، ولكن صياغة السؤال كانت مختلفة. وليس هذا الاختلاف ثانويًا، بل له أحيانًا بيت القصيد؛ لأن صيغة السؤال تستدعي أجوبة معينة وتستبعد أخرى. وتأمل معي السؤالين الشهيرين التاليين: لماذا تخلّف المسلمون وتقدّم غيرهم؟ وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ إن السؤال الأول يستدعي فكرة اللحاق بالغير، ويشي بفضيلة الغير كأنها شيء، أما السؤال الثاني فيجعل المسألة تكمن في الوجود والقيمة: موضوع السؤال هو “الغير” في كلا الحالتين؟ غير أن المقصود في المنطقة يجعل الأسئلة كلها تدور حول مسألة العلاقة بالغرب المتقدم، ولذلك فحص المبررات ينطلق على الأجوبة كلها “تقريبًا”. وصمة “الأجوبة الغربية”، وأن ينشئ مقابلها “الجواب التأصيلي”. ومنطق مشروعية هذا الجواب هو نفسه منطق لا مشروعية الجواب التغريبي: موقع الذات من المسألة. السؤال التغريبي يغيب الذات العربية الإسلامية، ومن وصف شيء بـ”التغريب”، كل ما يريد أن يقضي على الذات الثقافية لصالح مشروع ثقافي “موحّد” هو “كوني”، “يعني أوروبي”. يعبر الشاعر الشعبي المصري ببيت واحد عن شق المشروعين: هو إسلامي يريدوننا “أوروبية بلا أوروبية”.






المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.