تقدّم الرواية «هيفاء بيطار» لقراءتها روايتها الجديدة «سرّ جناح وحيد»، استندت في كتابتها على مقاربات نفسية – اجتماعية. يمكن أن تُقرأ منفصلة في الوقت الذي يمكن أن تُقرأ متصلة، لأنها تسلك خطوة خطوة خطورة الذات الإنسانية، تقترب منها وتكشف عن ارتحالاتها وأحلامها في الوقت الذي تصوّر فيه تفاعلها مع محيطها الاجتماعي اليومي، وما ينجم عن هذا التفاعل من حالات إنسانية. البعض من شخصيات الرواية يقبل ذاته كما هي، يتصالح معها كشخصية سعاد مثلاً الممرضة التي تحاور بطل الرواية الدكتور كريم ساهل: «كيف تحملت كل تلك الصعوبات الهائلة يا سعاد ولم تنهاري؟» ردّت باسمة: «الحياة عبور يا ابني، كلنا عابرون، كل إنسان يأخذ نصيبه». أما البعض الآخر فهو يأتي، تقول الأخت الكبرى لأم سميع عندما يحذرها الأم من طريق العائلة والحرام، وتستفيض في الحديث عن الشرف… الأخت تصغي ساخرة بعينيها الساحرتين المكحلتين، تبتسم لأمها وتقول: «أنا أشرف من الشرف يا أمي، أخاف ربي، دعيْني أعيش». وكعادتها تبقى «هيفاء بيطار» جريئة في التعبير عن تناقضات الحياة الاجتماعية، تفضح زيفه وأخطاءه من صور بلاغية ولغة ناقدة، ونزعة إلى كسر الشكل الروائي التقليدي. وهي تنتقل إلى معالجة مشكلة الفقر والبطالة والفساد الإداري وعجز حكومات الدول العربية عن تأمين مستوى حياة لمواطنيها بسبب سوء التخطيط وعجز برامج التنمية عن وضع حلول مستقبلية تقضي على الفروقات الطبقية التي أصبحت صارخة في مجتمعاتنا العربية اليوم. وهكذا نجد أن بطل الرواية كريم طبيب جرّاح يعجز عن تأمين قوت يومه، يرتدي ملابس من البالة ويتقاضى راتباً شهرياً متواضعاً، ويبقى على هذه الحال ثلاثة عشر عاماً، بما فيها من معاناة تصف الرواية حالته: «يعود إلى بيته، يحس جسده مهدوداً وروحه متعبة، كأنه لم ينم منذ أيام، تعب البطالة هدّام، يرغب بالنوم كي لا يواجه حقيقة يومه… بطالة في المشفى صباحاً وفي العيادة بعد الظهر، الوضع ما عاد مقبولاً أبداً…».
وهكذا من خلال علاقة الدكتور كريم مع زملائه في العمل (الأطباء والممرضات والموظفات الإداريات) وما يدور في هذا العالم المهني بالأوجاع وقسَم الحياة تنتقل لنا الأدبية صورة واقعية لحالة الاغتراب المرّة التي باتت تحتل مساحة شاسعة في الروح العربية، في محاولة منها إلى التنبيه إلى الثغرات والأخطاء التي يعاني منها مجتمعنا العربي، إنها صرخة في وجه الظلم واللاعدالة. تنتهي الرواية بنداء على النباح، جرح من لا ذنب لهم إلا أنهم وُلدوا في مجتمعات كهذه. «سرّ جناح وحيد» شهادة جديدة على أن الرواية موقف، كتابة بأمانة وحسّ فني جذّاب للواقع وتعليق عليه، لتكشف للقارئ حاضرنا بلا تزييف تستفزّه ساخرة عالقة بإدانتها بعمق مادتها، تكشف في كل مرة واقعاً جديداً تختبئ في الرواية حقيقة ما.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.