«هناك، حيث يختفي البشر» (المنطقة الشاذة) يقدم أندريه كوكوتيوك روايةً مشبعة بالبعد التاريخي، تتحرك ضمن إطار سياسي واجتماعي شديد الحساسية، متزامنةً مع لحظة مفصلية في تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي. يتقاطع زمن السرد مع بدايات تفكك الدولة التي حملت يومًا اسم «اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية»، حين بدأت الوحدات العسكرية السوفياتية، في تسعينيات القرن الماضي، بالانسحاب من جمهورية ألمانيا الديمقراطية.
ضمن هذا السياق التاريخي المضطرب، يلتقط المؤلف شذرات من تحولات عالم أبطاله، لتتشكل الرواية بوصفها فسيفساء إنسانية معقّدة. «هناك» ليست مكانًا بالمعنى الجغرافي فحسب، بل مساحة رمزية تختلط فيها المأساة بالهوية، وتتماهى فيها الذاكرة الفردية مع المصير الجمعي. في هذا الفضاء، تتقاطع خطوط السرد مع مشاهد صحفية ووقائع عسكرية ومصائر بشرية لا تزال آثارها شاخصة حتى اليوم.
يعتمد النص على عناصر تشويق مدروسة، ويعيد توظيف الوقائع التاريخية ليقدّم رواية بوليسية ذات بعد نفسي، ترتكز على الأراضي المحظورة في جمهورية أوكرانيا، حيث لا تزال الأشباح السياسية والاجتماعية للحرب الباردة تحوم فوق المكان. لا يكتفي الكاتب بتسجيل الانهيار بوصفه حدثًا سياسيًا، بل يغوص في نتائجه الإنسانية: تفكك الهوية، ضياع المعنى، وانكسار الأفراد أمام أنظمة كانت يومًا مطلقة السلطة.
تكمن قوة الرواية في قدرتها على الإمساك بخيوط عالم متشظٍ، إذ ينسج كوكوتيوك شبكة علاقات معقدة بين شخصياته، ويعيد بناء «الحقائق» داخل مناخ مشحون بالريبة والخوف والأسئلة غير المحسومة، لتصبح الرواية شهادة فنية على مرحلة انتقالية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المجتمع الأوكراني الحديث.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.