بلغة روائية سلسة، تسمي الأشياء بأسمائها، وبخطاب روائي جريء، تنشغل الرواية الكويتية «رانيا السعد» بالتعبير عن الواقع الحياتي لشخصيات تتفاوت في طريقة رؤيتها لذاتها وللحياة بكل تشابكها وتعقيداتها الأيديولوجية والثقافية، حيث يطغى الاغتراب الداخلي لشخوص الرواية، الذين ساقهم الروائي لتؤشر على البعد العام لشروخ ونماذج تصادم طبقياً واجتماعياً في مواقعها وأدوارها، وتعاني جميعها من عاطفة مُحبِطة، وانكسارات؛ نتيجة الفوضى والاضطراب التي تسود علاقات الأفراد فيما بينهم أو في علاقته مع محيطهم الاجتماعي.
تحكي الرواية قصة فتاة تعيش في أسرة مترفة، ومُنفتحة بلا ضوابط، تنشغل من أب مشغول بجمع أموال يقال إنها غير نظيفة، وأم منهمكة في اقتناء الثياب الفاخرة والمجوهرات الثمينة، وأختان متزوجتان وغير راضيتين بعيشتهما.
وعليه، تسلّط الرواية الضوء على الفتاة الصغرى في العائلة «سلوى»، وتحكي أحداث روايتها بأسلوب سردي ذاتي يطغى عليه التحليل النفسي والاجتماعي في جميع مراحل العمل الأدبي، حيث تركز أحداث الرواية على عقدة الشعور بالنقص التي تعيشها سلوى نتيجة سمنتها وتشوهها الجسدي، ويبدو جسمي كجسم صبي في تلك البلوغ تمددت عظامه بطريقة غير متناسقة.
هذا الوضع جعل الفتاة مثار سخرية العائلة والأصدقاء في النادي والجامعة، الأمر الذي دفعها إلى الانتماء إلى جماعة الدعوة أو حركة الإخوان، فأحاطت نفسها بجمع من الصديقات والأنشطة الاجتماعية والدروس الدينية، مما زاد شعورها بالوحدة، جعلها تشعر لأول مرة بالانتماء الحقيقي لمجموعة: «… يبدو أن الدين هو الحل الأمثل لكل شيء. هل هو كذلك؟» عندما قررت حجابها لتكون مروراً إلى جميع الطبقات الاجتماعية الأعلى والأقل ثقافة أو ديناً.
تتوالى الأحداث في الرواية حيث تبدأ قصة الدعوة وزواج سلوى من أحد الإخوان المسلمين: «نحن دُعاة لا زوج شاباً بناءً، فاطلبين الطلاق…» ليكون الحمل أكبر على طاقتها، ويدعم البعض في شؤون الدعوة… ولكن لا تجري الرياح بما تشتهيه السفن، حيث تفاجئ بزواجها مرة ثانية بعد أن كانت قد أنجبت منه طفلين، عندما أدركت سلوى أن حياتها أصبحت بلا معنى. «جلست على أرض المكتب ووضعت رأسي بين ركبتي وبكيت كما لم أبكِ طوال أيامي وسنواتي الخمسة والثلاثين، بكيت كل شيء، بكيت بيت أهلي الذي لم أشعر فيه يوماً بالراحة، بكيت فقدان الحنان، بكيت جسدي غير المؤنث بالدرجة الكافية، بكيت الشعر العين الذي يغطي وجهي، بكيت ضعفي، بكيت كل الرجال الذين أساؤوا إليّ، بكيت عقاب، بكيت فارس الضيف الذي مر فقط ليُشعرني بالنقص أكثر… مسحت دموعي وقررت أن أطلب الطلاق…».
وتنتهي الرواية بوقوع سلوى فريسة مرض نفسي لا إرادي هو obsessive stalking (هوس لا إرادي)، يجعل من ملاحقة شخص معين دون التحدث إليه هماً في الحياة. وهذا الشخص الذي تعنيه الكاتبة «زوجة طليقها»، حيث تكون الشغل الشاغل لسلوى هو الأمر الذي أفسد عليها حياتها، وعملها، وتواصلها مع الآخرين. تقول الطبيبة المعالجة: «… أبرز ملامح المصابين بالهوس أو من نسميهم stalkers هو تخليهم عن كرامتهم وإذلالهم لأنفسهم من أجل الحصول على معلومات عن الشخص محل هوسهم…».
رواية عميقة ذات خطاب روائي جديد استطاعت من خلاله «رانيا السعد» أن تصنع من ركام أحداث متخيلة وربما حقيقية رواية هي خطوة جديدة في مسيرتها الروائية.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.