في عملها الروائي «وأد الذاكرة»، تقف أماني الشهري على حافة الذاكرة، تحاول القبض على لحظات متصرّمة، حملتها في قلبها وحفرت حروفها على الورق حكاية حب لم يبقَ منها سوى آثار تمتزج بحبر الكتابة ورسائل تبوح فيها بسرّ القلب وأنينه، مذكّرة بكلام «مدام دوستويفسكي» المعروف: «الحب هو تاريخ المرأة وليس حادثاً عابراً في حياة الرجل».
في اللافتة النصيّة الأولى التي تصدّر العمل تقول أماني: «هل يمكن اليوم بعد أن قطعت بيننا الأيام جسور الكلام أن أقوم الرغبة الجنونية في كتابة حكايتك، كما عشتها معك ودونك، بعد كل ذلك سنوات… رغبة، وعشقاً، وحلماً؟».
وبين البداية والنهاية نقرأ حكاية امرأة مسيرة من حرفها، من ثورتها، ومن صخبها وسكونها، لذلك هي رواية عن المرأة وهمها، عن المرأة الكاتبة كيف تروي ذاتها، وما يدور في أعماقها، وما يحتاجه وجدانها في حالاته المختلفة. «لقد فهمت في وقت متأخر جداً أن الذاكرة تموت بأيدينا بل تندحر، وأن ذكرى الميلاد، إن لم نحتفِ بها، تخفت بالأخرى… وأنني منذ ابتعادك كأنني أعيش خلوداً خاطئاً لا ينقضي».
لا لم ألقِ ذاكرتي بك كما تدّعي أمني، ربما لأنني لا أحبك دون أن أكتب، ولأنني تعرف أين تضرب، أنتِ باقٍ وأنا أكتب…
وبهذ المعنى فنحن في «وأد الذاكرة» لسنا أمام حكاية رئيسية لشخصيات متعددة تلعب دور البطولة في الرواية، بل نحن أمام حكاية خاصة تكشف عن الدور الذي يلعبه الحب في حياة المرأة، وخاصة أن الكاتبة نجحت في التغلغل إلى نفسية المرأة وأفكارها، ووصفها حالة الفقد (والغياب). قدمت بذلك الرواية كماً كبيراً من ثقافة التحليل النفسي، الذي يعكس ثقافة صاحبتها، وربما تجربتها، وشيئاً من سيرتها الذاتية. على أن هذا التحليل يتواجد في الرواية من خلال الوحدات السردية المتعاقبة في خط درامي متصاعد، وكثيراً ما تتسلم نهاية وحدة سردية عملية السرد إلى وحدة سردية أخرى جديدة تكمل ما سبق، إلا أنه في السياق العام ثمة تسلسل زمني قائم، واستخدام لتقنيات الاسترجاع والذاكرة. كما أن اللغة التي كُتبت فيها الرواية هي لغة أنيقة جميلة تقترب من حدود الشعر، مما يجعل العمل قصيدة روائية، وبذلك حققت أماني الشهري متعة مزدوجة للقارئ هي متعة اللغة، ومتعة السرد، وجعلت من «وأد الذاكرة» حكاية حب كاملة.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.