هذه الرواية بعناية حفاوة وتكريم واعتراف بالجميل لمدينة موسكو عهد الاتحاد السوفياتي، الذي استقبل برحابة صدر واسعة عددًا كبيرًا من الشباب، وقدّم لهم العلم والاختصاص العالي بلا مقابل، وفتح لهم أبواب الحياة وتقبّل الرغبات على مصراعيها. ستستحق موسكو هذا الوفاء الذي أصبح نادرًا، خاصة بعد أن تذكّر لها اليوم العديد من خريجي جامعاتها، وهم أنفسهم الذين غرفوا من “خيراتها”، واستفادوا من أمجادها، وهي التي بذلت حياتهم وأعطتها معنى أجمل ومستقبلًا أفضل. لذا لا يتوانى الكاتب عن مخاطبتها اليوم قائلًا: “لا تفكري بمن جدّد عطاءاتك أو خان مودتك، وتخاذل عنك في وقت المحنة، ولا تسمحي لأولئك الطفيليين أن يعيثوا مجددًا على حساب مواطنيك الطيبين. وإذا التفّ حولك المتخاذلون من جديد، فلا تسمحي للتاريخ أن يعيد نفسه”.
هذا الكتاب ليس يوميات شخص بمفرده، ولا سيرة ذاتية لأحد، فهم أبطال حقيقيون قصتهم من دم. رأيت أن أقتبس من سيرهم نقاطًا قصيرة، ومنهم من هم من نسج الخيال لكن تصرفاتهم تشكل نماذج لتصرفات الآخرين، و”هشام” الذي كبر في صبغة جنوبية، و”كان غصبه يكبر معنا” تفوق في دراسته وأثار اهتمام الجميع بما فيهم السفير السوفياتي الذي عرض عليه منحة دراسية في إحدى جامعات موسكو. تذكر هشام بالكثير أمور سفر رفيقته “ريما” في القرية، وقادر إلى موسكو مع زملاء له، وفي نفس وقته، كان الفقر يجمعهم في الاتحاد السوفياتي، يظهر وحدتهم.
في موسكو، لا بد للأدب أن يتعرف إلى أدباء من كل منهم، بالرغم من كل منهم طريقته واهتماماته، فـ”فؤاد القادم من الهرمل يحب كتابة الرسائل، و”سليم” يمارس الحب كل ليلة، كما في كل ليلة”، في مقرّه الدائم، أي منزله حيث تقيم به حبيبته المسرحية الجميلة، و”سعيد” الذي اعتبر حصوله على قبلة من صديقته بمثابة إنجاز كبير، و”سالم” غير آبه بعزوف أصدقائه لأنه كان عربيًا جديدًا، فقد تزوج قبل سفره بشهور، وكان ما زال مولعًا بزوجته المنتظرة في لبنان.
أما هشام المعصم بحب “ريما”، فلم يمنع نفسه من الاحتكاك بالروسيات مبررًا لنفسه “عشقته الجسدي الجديد”، وكانت تجاربه متعددة مع الشقراوات: ماشا، ومارينا، وتانيا، ولوبيا، وأولغا وغيرهن، وكان له قصة حب “سهام” التي كانت ناجحة في الخطابة وعرض النشاطات وفي تسويق الاقتراحات، والتي انتهت عقب التخرج، كما انتهت قصته مع ريما قبل سنوات. وطارق ووديع وغيرهم الكثير من الشخصيات اللبنانية والروسية.
ينغمس الكتاب في تفاصيل تجربة هؤلاء الشباب الذين انتقلوا من ضيعهم إلى ديار مدينة موسكو، في سياق غير مألوف لهم، وفي أوضاع معيشية مختلفة، في بداية “تعلم الروسية” التي لا بد منها. فالفصل الثاني يحتاج الواحد منهم إلى تكوين صديق، وتبديل تضاريس وجهة نظره تجاه لغة جديدة، ومن ثم تفاصيل الاختلافات العديدة في الحضارات، المتعلقة بالنسبة للأطعمة والثقافات والمناسبات، مثل مسرح قصر المؤتمرات في الكرملين وحفلات الباليه، وإلى موسكو الفنية الضخمة والفخمة، والتي فيها من معالم التاريخ ما لا يمكن الاطلاع عليه في فترة محدودة.
رواية مليئة بالصدق والحب والحنين والامتنان لمدينة “شكّلت شوارعها خرائط الأمل”، و”تكرّمت من شعوب، حطّت رحالها فيها التسمية: مدينة المحبة وحاضنة الأمل”.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.