رواية سلسة ومشوقة، في هذا الكتاب الذي هو أشبه بشريط سينمائي، يصنعه ويديره القارئ بنفسه من خلال الكلمة، وعبر تشغيل تصوره لكل ما يجري داخل سيناريو متكامل يتحرك ويصبح جاهزاً للعرض ما إن يبدأ بقراءته.
كاميرا سريعة تدور لتسجل لقطات ومشاهد حية من حياة مجموعة من الأشخاص، فلاحق تحركاتهم، وتسجل حواراتهم، وتميز تفاعلهم وتعاطيهم وانفعالاتهم، وتظهر سمات شخصياتهم المتنوعة، فتشبههم وتتشابه معهم في علاقاتهم المتداخلة داخل إطار عملهم المشترك، كما ترصد علاقاتهم في الخارج، ولا تتوانى عن الدخول إلى أماكنهم الخاصة في بيوتهم، لتكشف ما يدور في داخلهم، ولمعرفة حقيقة رغباتهم في عزلة.
من خلال هذه المجموعة التي تشكل طاقم العمل في أحد البنوك، يكتشف القارئ صفات كل النماذج البشرية الممكنة، من “رهام” الموظفة التي تنوق إلى الحب والتي “لم تكن كسولة ولا مهملة ولا مقصّرة، ولكنها كانت فقط فاقدة للحماس لكل شيء وأي شيء”، إلى “سميرة” الموظفة التي تنعكس بصفتها امرأة متزوجة وأم مشاكل صعوبة التوفيق بين العمل والبيت والزواج، إلى هادي الإنسان المستقل والوصولي، والذي يعرف كيف يتعامل مع المرأة، إلى “الأزهر” أمام التي تعيش علاقته مع رجل متزوج، إلى “عبد الرحمن” الرجل الشرقي، ونهلم الكثير من الشخصيات اللازمة لفتح مشكلة العلاقات الإنسانية من الخير إلى المعتدل، من السيئ إلى الحالم الوردي، لتجمعهم جميعاً أحداث يوماً يكشف فيه عن مستوى شخصياتهم ويضعهم في مواجهة قاسية مع أنفسهم. يوماً واحداً، من حياتهم جميعاً. إلا من لم يجد بداخله القدرة على التغيير.
من خلال هذه الحبكة الروائية التي تنحصر بعلاقات هذه الشخصيات فيما بينها، ويكشف حقائق كل منها في هذا اليوم الخاص، تطرح الكاتبة مواضيع متعددة: العلاقات بين الزوجين داخل مؤسسة الزواج، وعلاقة الأم بالأولاد، وتضحية الأم، ثم علاقات خارج الزواج، مع العازبين والمطلقين والأرامل. كما تتطرق إلى موضوع الغربة وحياة الاغتراب، وإلى مظاهر مجتمع تتنازع فيه سيادة التقليد، مع الحاجة إلى التطور والتحديث.
رواية يحبها القارئ لسلاستها وسهولة التواصل مع شخصياتها ومع انفعالاتهم، ولحبكتها المشوقة دون ادعاء، ودون تعقيد، ولموضوعها الكاشف لحقائق مجتمعنا، وتركيبته الخاصة فيه.



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.